مدينة ملتان Multan الباكستانية: مدينة الأولياء وجوهرة الشرق التاريخية
تُعرف مدينة ملتان Multan بلقب "مدينة الأولياء" (Madinat-ul-Auliya)، وهي واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم. إذا كانت كراتشي هي المركز المالي ولاهور المركز الثقافي، فإن ملتان هي المركز الروحي والديني لباكستان.
إنها المدينة التي تفيض بسحر القباب الفيروزية، وتفوح برائحة التاريخ الضارب في القدم، وتعتبر حلقة الوصل التاريخية بين شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى.
أصل التسمية والنبذة التاريخية:
يعود أصل تسمية "ملتان" إلى الكلمة السنسكريتية "مولاستانا"، والتي تعني "المكان الأصلي"، وكان يُشار بها قديماً إلى معبد الشمس الشهير الذي كان وجهة للحجاج من كل مكان. مع مرور العصور ودخول الإسلام، تحور الاسم تدريجياً ليصبح "ملتان".
تاريخ ملتان هو سجل للصراعات والحضارات؛ فقد حاصرها الإسكندر الأكبر عام 326 قبل الميلاد وأُصيب بجروح بليغة عند أسوارها. وفي عام 712 ميلادي، دخلها الفاتح الإسلامي محمد بن قاسم، لتصبح ملتان بوابة الإسلام في السند والبنجاب.
توالت عليها الدول من الغزنويين والغوريين وصولاً إلى الإمبراطورية المغولية التي شهدت المدينة في عهدها ازدهاراً معمارياً وتجارياً كبيراً.
الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي:
الشعوب الأصلية في ملتان هم من العرقيات السرايكية والبنجابية. يتحدث أهلها لغة خاصة تُعرف بـ "السرايكية"، وهي لغة تمتاز بعذوبتها وارتباطها الوثيق بالأدب والشعر الصوفي.
أما الاستيطان الأوروبي، فقد وصل إلى ملتان في منتصف القرن التاسع عشر بعد "حصار ملتان" الشهير عام 1848، حيث استولى البريطانيون على المدينة من حكم السيخ.
خلال الحقبة البريطانية، ركز المستعمرون على تحويل ملتان إلى مركز زراعي وإداري، وقاموا ببناء خطوط السكك الحديدية والمباني الحكومية والمستشفيات، وربطوا المدينة بشبكة ري ضخمة جعلت منها واحدة من أخصب مناطق العالم.
الموقع والمساحة:
تقع ملتان في جنوب إقليم البنجاب على ضفاف نهر "تشيناب". تبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 3,721 كيلومتراً مربعاً. موقعها الجغرافي المتميز في قلب باكستان جعل منها مركزاً تجارياً يربط بين الأقاليم الأربعة (السند، البنجاب، بلوشستان، وخيبر بختونخوا).
السكان: الهدوء والروحانية
يبلغ عدد سكان ملتان حوالي 2.2 مليون نسمة في المنطقة الحضرية، وأكثر من 5 ملايين في المنطقة الكبرى. يتميز سكانها بالطيبة الشديدة، والارتباط العميق بالتقاليد الصوفية، وكرم الضيافة الذي يتسم بالهدوء والوقار.
الاقتصاد والصناعة:
تُعد ملتان ركيزة أساسية للاقتصاد الباكستاني، وتشتهر بـ:
الزراعة:
تُلقب ملتان بـ "مدينة المانجو"، حيث تنتج أجود أنواع المانجو في العالم (مثل الشاونسا والأنور راتول). كما تُعد مركزاً رئيسياً لزراعة القطن والقمح وقصب السكر.
الصناعات اليدوية:
تشتهر ملتان عالمياً بصناعة الفخار الأزرق (Kashigari) الذي يُرسم يدوياً، وصناعة السجاد والمنسوجات المطرزة.
الصناعات الثقيلة:
تضم المدينة مصانع للأسمدة، وحلج القطن، ومحطات توليد الطاقة.
العلوم والتكنولوجيا والجامعات:
تعتبر ملتان المركز التعليمي الأول في جنوب البنجاب:
جامعة بهاء الدين زكريا (BZU):
أكبر وأهم جامعة في المنطقة، وتضم كليات متميزة في الهندسة، الزراعة، والآداب.
جامعة "نيشتار" الطبية:
واحدة من أعرق الكليات الطبية في باكستان، ويتبعها مستشفى نيشتار الضخم.
جامعة "إميرسون":
مؤسسة تعليمية عريقة تعود جذورها إلى الحقبة البريطانية. تساهم هذه الجامعات في تطوير الأبحاث الزراعية والتقنية التي تخدم الصناعات المحلية.
المناخ:
مناخ ملتان معروف بكونه شديد الحرارة:
- الصيف: طويل جداً وحار (من أبريل إلى أكتوبر)، حيث تتجاوز درجات الحرارة غالباً 45°C. يُقال محلياً أن لملتان أربعة "هدايا": الغبار، الحرارة، المتسولون، والمقابر.
- الشتاء: قصير ولطيف جداً، وهو الوقت المثالي لزيارة الأضرحة والأسواق، حيث تكون الأجواء مشمسة ودافئة نهاراً وباردة ليلاً.
الأماكن السياحية: مدينة القباب الزرقاء
تعتبر ملتان متحفاً مفتوحاً للعمارة الإسلامية الصوفية:
ضريح بهاء الدين زكريا: شيخ صوفي كبير، ويتميز ضريحه بقبة بيضاء ضخمة وعمارة فريدة.
ضريح شاه ركن علم: يُعد تحفة معمارية عالمية، وقد نال جوائز دولية في الحفاظ على التراث؛ يتميز بقبته الضخمة المزينة بالآجر الأحمر والكاشي الأزرق.
قلعة كوهنا: تقع على تل مرتفع وتوفر إطلالة بانورامية للمدينة.
مسجد الفاتح (محمد بن قاسم): موقع تاريخي يخلد دخول الإسلام إلى المنطقة.
الأكلات الشعبية:
المطبخ الملتاني غني بالنكهات والحلويات:
حلوى "سوهان" الملتانية (Sohan Halwa): أشهر حلوى في باكستان، وهي مزيج دسم من السكر واللبن والمكسرات، وتُهدى للأصدقاء في جميع أنحاء العالم.
المانجو الملتاني: الذي يُؤكل بكافة أشكاله في الصيف.
خبز "نان" الملتاني: الذي يُخبز بطرق تقليدية ويُقدم مع المرق الدسم.
اللغة والدين والعملة:
اللغة: اللغة السرايكية هي لغة التواصل اليومي والثقافة، بينما تُستخدم الأردية والإنجليزية في العمل والتعليم.
الدين: ملتان هي "منارة الإسلام" في المنطقة، وتضم مئات الأضرحة والمساجد التاريخية، كما توجد فيها أقليات مسيحية وهندوسية تعيش في سلام.
العملة: الروبية الباكستانية (PKR).
علم باكستان:
يرفرف علم باكستان بلونيه الأخضر والأبيض فوق أسوار ملتان التاريخية، ليمزج بين هويتها الإسلامية العميقة وتطلعاتها الوطنية الحديثة. الهلال والنجمة يمثلان النور والتقدم، بينما يمثل اللون الأبيض السلام والاحتواء لكافة الطوائف، وهو ما يتجسد في روح التسامح الصوفي التي تميز المدينة.
الخاتمة:
ملتان هي المدينة التي لا يمكن وصفها بالكلمات وحدها؛ فهي مزيج من وهج الشمس، وزرقة الخزف، وهيبة الأضرحة. هي المكان الذي يتصالح فيه الماضي مع الحاضر، حيث تجد بساطة المزارع في حقول القطن جنباً إلى جنب مع طموح المهندس في المصنع.
ستبقى ملتان "مدينة الأولياء" التي تمنح زائرها شعوراً بالسكينة والرهبة، وتذكره بأن الحضارة لا تُقاس بالأبراج العالية فحسب، بل بالروح التي تسكن جدرانها والتاريخ الذي يفوح من ترابها.
.............

