أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

مدينة سطات Settat المغربية: عاصمة الشاوية ومدينة الخيل والعلوم

مدينة سطات Settat المغربية: عاصمة الشاوية ومدينة الخيل والعلوم

تعتبر مدينة سطات واحدة من أهم الحواضر المغربية التي تربط بين شمال المملكة وجنوبها، وهي القلب النابض لإقليم الشاوية التاريخي. تُعرف بكونها مدينة "العلم والفروسية"، حيث تمزج بين الأصالة البدوية المتمثلة في تربية الخيول وفنون التبوريدة، وبين الحداثة العلمية التي تجسدها جامعتها العريقة. هي بوابة "تادلة" ومرآة لخصوبة الأرض المغربية وعطاء إنسانها.

مدينة سطات Settat المغربية: عاصمة الشاوية ومدينة الخيل والعلوم

نبذة تاريخية وأصل التسمية:

تعود الجذور التاريخية لمدينة سطات إلى عصور قديمة، إلا أن بروزها كمركز حضري وأمني بدأ بشكل فعلي في عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل في القرن السابع عشر.

أصل التسمية:

تضاربت الروايات حول اسم "سطات"، لكن الرواية الأكثر شيوعاً ترجعها إلى اسم "زطاط" (الزطاط)، وهو الشخص الذي كان يؤمن القوافل التجارية ويحميها مقابل رسوم معينة، نظراً لموقع المدينة كمعبر استراتيجي بين فاس ومراكش. ومع مرور الوقت، تحولت الكلمة من "الزطاطية" إلى "سطات".

القصبة الإسماعيلية:

بنى المولى إسماعيل قصبة شهيرة بالمدينة لتكون معقلاً عسكرياً لتأمين طرق القوافل والسيطرة على منطقة الشاوية المتمردة آنذاك، وهي القصبة التي لا تزال بعض أطلالها شاهدة على هذا العصر.

الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي:


الشعوب الأصلية:

سكن منطقة سطات منذ القدم قبائل أمازيغية، ثم استوطنتها قبائل عربية قادمة من المشرق خلال الهجرات الهلالية، واندمجت المكونات لتشكل قبائل "الشاوية" الشهيرة (مثل أولاد سعيد، وأولاد بوزيري، والمذاكرة). وتعتبر الشاوية من أكثر القبائل المغربية ارتباطاً بالأرض والفروسية.

الاستيطان الأوروبي:

مع دخول الحماية الفرنسية عام 1912، اكتسبت سطات أهمية كبرى نظراً لموقعها في قلب السهول الفلاحية الخصبة. قام الفرنسيون ببناء أحياء جديدة وتطوير السكك الحديدية لربط المدينة بالدار البيضاء وتسهيل نقل الحبوب والموارد. وقد شهدت المنطقة مقاومة شرسة من قبائل الشاوية ضد التغلغل الاستعماري.


الموقع والمساحة والسكان:

الموقع: تقع سطات في وسط المغرب، وتبعد عن مدينة الدار البيضاء بنحو 70 كيلومتراً جنوباً، وتعتبر عاصمة لإقليم سطات التابع لجهة الدار البيضاء-سطات.

المساحة: تمتد مساحة الجماعة الحضرية لسطات على حوالي 70 كيلومتراً مربعاً، ضمن هضبة "الشاوية" المنبسطة.

السكان: يبلغ تعداد سكان المدينة حوالي 142,000 نسمة (حسب إحصاءات 2014)، وتتميز الساكنة بالارتباط القوي بالهوية القروية الأصيلة مع انفتاح كبير على التعليم والخدمات.


الاقتصاد والصناعة:

يعتبر إقليم سطات ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني بفضل تنوعه:

  1. الفلاحة: تُلقب الشاوية بـ "مطمورة المغرب"، حيث تساهم بشكل كبير في إنتاج الحبوب (القمح والشعير) والقطاني، بالإضافة إلى تربية المواشي والخيول العربية البربرية.

  2. المناطق الصناعية: تضم سطات منطقة صناعية كبرى تحتضن معامل في قطاعات النسيج، الصناعات الغذائية، ومواد البناء.

  3. الخدمات واللوجستيك: بفضل الطريق السيار والسكك الحديدية، أصبحت المدينة مركزاً لوجستياً هاماً يربط بين القطب الاقتصادي (الدار البيضاء) ومناطق الجنوب والشرق.


العلوم والتكنولوجيا والجامعات:

تُعد سطات اليوم "مدينة جامعية" بامتياز، وهي فخر لجهة الشاوية في المجال العلمي:

جامعة الحسن الأول: التي تأسست عام 1997، وتضم مؤسسات رائدة مثل كلية العلوم والتقنيات (FST) والمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير (ENCG) التي تعتبر من بين الأفضل في المغرب.

التكنولوجيا: تحتضن المدينة مجمعات تكنولوجية ومراكز بحثية، خاصة في مجالات العلوم التطبيقية والتدبير، مما جعلها وجهة لآلاف الطلاب من مختلف أنحاء المملكة وأفريقيا.


المناخ:

تتمتع سطات بمناخ متوسطي شبه جاف:

الصيف: حار وجاف، متأثر بالرياح القارية القادمة من الداخل، مما يجعله فصلاً مثالياً لحصاد الحبوب.

الشتاء: معتدل إلى بارد مع تساقطات مطرية غير منتظمة، وهي الأمطار التي ينتظرها الفلاحون بفارغ الصبر لضمان موسم فلاحي جيد.


اللغة والدين والعملة:

اللغة: اللغة العربية هي الرسمية (الدارجة المغربية بلكنة الشاوية الأصيلة)، مع وجود الأمازيغية واللغة الفرنسية التي تُستخدم في الوسط الجامعي والمهني.

الدين: الإسلام السني هو الدين الرسمي، وتنتشر في المدينة والقبائل المجاورة "الزوايا" والكتاتيب القرآنية التي تحافظ على التراث الروحي للمنطقة.

العملة: الدرهم المغربي.


علم المغرب:

يرفرف علم المملكة المغربية الأحمر بنجمته الخماسية الخضراء فوق القصبة الإسماعيلية والمباني الجامعية، معبراً عن الوحدة والسيادة والارتباط العميق لقبائل الشاوية بالعرش العلوي، وهي القبائل التي كانت دائماً في طليعة المدافعين عن وحدة الوطن.

مدينة سطات Settat المغربية: عاصمة الشاوية ومدينة الخيل والعلوم

الأماكن السياحية:

  1. ساحة المحرك: وهي الساحة الشهيرة التي تحتضن مهرجانات "التبوريدة" (الفروسية التقليدية)، حيث تجتمع "السربات" لتقديم عروض بارود تخطف الأنفاس.

  2. القصبة الإسماعيلية: معلمة تاريخية تعود للقرن 17، تذكر بزمن السلطان المولى إسماعيل ودوره في حماية المدينة.

  3. حديقة "الغابة" ومحيط المدينة: مساحات خضراء شاسعة تعتبر متنفساً للسكان ولهواة الصيد والقنص.

  4. نادي الغولف الملكي: الذي يجذب هواة هذه الرياضة من مختلف المدن لقضاء أوقات ممتعة في جو هادئ.

  5. سد المسيرة (بالقرب من الإقليم): من أكبر السدود في المغرب، ويوفر مناظر طبيعية خلابة لممارسة الصيد القاري.


الأكلات الشعبية:

المطبخ في سطات هو مطبخ "شاوِي" أصيل يعتمد على جودة اللحوم والقمح:

كسكس الشاوية: يتميز بجودة الدقيق المحضر يدوياً وبوفرة الخضار واللحم البلدي.

الشواء: تشتهر المنطقة بلحم الغنم الممتاز، ويعد "المشوي" الطبق الرئيسي في الولائم والاحتفالات.

خبز المحراش: الخبز المصنوع من الشعير الخالص الذي يُطهى في أفران التقليدية.

الشاي بالنعناع "العبدي": الذي يُقدم بكرم حاتمي في الخيام وببيوت المدينة.


الخاتمة:

ختاماً، فإن مدينة سطات هي جسر يربط بين عبق البادية المغربية وطموح التكنولوجيا المعاصرة. هي المدينة التي تستقبلك بصهيل الخيول في مهرجاناتها، وتودعك بابتسامة طلابها في مدرجات الجامعة. 

بفضل موقعها الاستراتيجي، وثرواتها الفلاحية، وقدرتها على التجدد، تظل سطات لؤلؤة الشاوية وحارسة قيم الفروسية والعلم، مؤكدة أن القوة تكمن في الحفاظ على الأصل مع الانطلاق نحو آفاق المعرفة والابتكار. من يزور سطات، يلمس روح المغرب العميق، ويشعر بدفء الأرض التي تجود بالخير والعطاء لكل من يقصدها.

............

تعليقات