مدينة مكناس Meknes المغربية: مدينة الأسوار العالية وعاصمة السلطان المولى إسماعيل
تعتبر مدينة مكناس Meknes واحدة من أعرق الحواضر المغربية، وهي إحدى المدن الأربع التاريخية (العواصم الإمبراطورية) للمملكة.
تُلقب بـ "ورساي المغرب" نظراً لجمال معمارها وضخامة أسوارها التي تحكي قصة مجد باذخ، حيث استطاعت هذه المدينة أن تجمع بين هيبة المدن العسكرية وسحر الحواضر الأندلسية، لتشكل لوحة فنية فريدة في قلب الهضاب السايسية.
نبذة تاريخية وأصل التسمية:
تأسست نواة مكناس الأولى في القرن العاشر الميلادي كقرية محصنة، لكن العصر الذهبي للمدينة بدأ في القرن السابع عشر.
أصل التسمية:
يعود اسم "مكناس" إلى قبيلة "مكناسة" الأمازيغية التي استوطنت المنطقة قديماً. وكانت المدينة تُعرف في بداياتها بـ "مكناسة الزيتون" نظراً لانتشار بساتين الزيتون الشاسعة حولها.
العاصمة الإسماعيلية:
في عهد السلطان العلوي الشريف المولى إسماعيل (1672-1727)، اتُّخذت مكناس عاصمة للمغرب، وشهدت نهضة عمرانية أسطورية، حيث بُنيت فيها القصور الشاهقة، والأسوار التي يبلغ طولها أكثر من 40 كيلومتراً، والأبواب الضخمة، والحدائق الغناء، مما جعلها تنافس أعظم عواصم العالم في ذلك الوقت.
الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي:
الشعوب الأصلية:
سكن الأمازيغ من قبيلة مكناسة (المنتمية لزناتة) المنطقة، وكانوا أهل زراعة وفلاحة وفروسية. ومع مرور الزمن، استقبلت المدينة العرب والأندلسيين، مما خلق نسيجاً اجتماعياً يتميز بالرقي والتحضر.
الاستيطان الأوروبي:
مع دخول الحماية الفرنسية للمغرب عام 1912، أُطلق على مكناس لقب "باريس الصغيرة". قام الفرنسيون ببناء "المدينة الجديدة" (الحمرية) بتصميم عصري يضم شوارع واسعة وساحات عامة، وجعلوا من مكناس مركزاً عسكرياً وفلاحياً هاماً نظراً لموقعها الاستراتيجي في سهول السايس الخصبة.
الموقع والمساحة والسكان:
الموقع: تقع مكناس في شمال وسط المغرب، في منطقة هضبية بين جبال الريف شمالاً وجبال الأطلس المتوسط جنوباً.
المساحة: تمتد مساحة المدينة الحضرية على حوالي 370 كيلومتراً مربعاً.
السكان: يبلغ عدد سكان مدينة مكناس وضواحيها حوالي 650,000 نسمة، ويتميز أهلها بالهدوء والوقار والتمسك بالتقاليد المغربية العريقة.
الاقتصاد والصناعة:
تُعرف مكناس بأنها "القطب الفلاحي" للمملكة:
الفلاحة: بفضل تربتها الخصبة، تعتبر مكناس عاصمة لإنتاج الزيتون، والكروم، والحبوب. وتستضيف المدينة سنوياً "الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب" (SIAM)، وهو الأكبر من نوعه في أفريقيا.
الصناعة: تطورت في المدينة صناعات تحويلية مرتبطة بالفلاحة (الزيوت، الأغذية)، بالإضافة إلى منطقة صناعية متطورة لقطع غيار السيارات والنسيج.
الصناعة التقليدية: يشتهر الحرفيون المكناسيون بفن "الدمشقية" (تطعيم الحديد بالفضة والذهب)، وهو فن نادر لا يوجد إلا في مكناس، بجانب الخشب المنقوش والزليج.
العلوم والتكنولوجيا والجامعات:
مكناس هي مدينة العلم والعلماء منذ القدم:
جامعة مولاي إسماعيل: مؤسسة جامعية كبرى تضم كليات للعلوم، والآداب، والحقوق، والعلوم التقنية، وتعتبر منارة للبحث العلمي في المنطقة.
المدرسة الوطنية الفلاحية: من أقدم وأهم المعاهد المتخصصة في تكوين المهندسين الزراعيين في أفريقيا.
التكنولوجيا: تضم المدينة مناطق مخصصة للابتكار والبحث الزراعي، وتهدف إلى دمج التكنولوجيا الحديثة في قطاع الري والإنتاج الغذائي.
المناخ:
مناخ مكناس هو مناخ متوسطي بخصائص قارية:
الصيف: يكون حاراً وجافاً، حيث تستفيد المدينة من موقعها الداخلي.
الشتاء: بارد وماطر، وغالباً ما تتأثر المدينة بالكتل الهوائية الباردة القادمة من جبال الأطلس المتوسط القريبة، مما يجعل جوها منعشاً في الخريف والربيع.
اللغة والدين والعملة:
اللغة: العربية (الدارجة المغربية بلكنة مكناسية رصينة) هي اللغة السائدة، بالإضافة إلى الأمازيغية. واللغة الفرنسية مستخدمة في الدوائر الاقتصادية والتعليمية.
الدين: الإسلام السني هو الدين الرسمي، وتضم مكناس مئات المساجد والزوايا التاريخية، مما يعكس طابعها الروحي.
العملة: الدرهم المغربي.
علم المغرب:
يرفرف علم المغرب الأحمر بنجمته الخماسية الخضراء فوق "باب المنصور لعلج" التاريخي، رمزاً للسيادة والوحدة التي دافع عنها السلاطين الذين جعلوا من مكناس معقلاً للحكم والقوة.
الأماكن السياحية:
مكناس هي "متحف مفتوح" يضم معالم لا مثيل لها:
باب المنصور لعلج: أعظم باب في المغرب وأفريقيا، يتميز بنقوشه وزخارفه التي تعكس ذروة العمارة الإسماعيلية.
ساحة الهديم: الساحة القلب للمدينة، تشبه ساحة جامع الفنا بمراكش، حيث الحكواتيون والباعة والأنشطة الشعبية.
(سجن قارا) أو حبس قارا: سجن تاريخي غامض تحت الأرض صُمم بطريقة هندسية معقدة.
صهريج السواني: خزان مائي ضخم كان يُستخدم لري الحدائق وإمداد القصور بالماء، وهو اليوم متنزه طبيعي رائع.
وليلي (Volubilis): تقع بالقرب من مكناس، وهي مدينة رومانية أثرية مدرجة ضمن التراث العالمي، وتضم أجمل لوحات الفسيفساء في شمال أفريقيا.
الأكلات الشعبية:
المطبخ المكناسي مطبخ "أصيل" يعتمد على خيرات الأرض:
طاجين الزيتون: الذي تشتهر به المدينة (زيتون مكناس لا يُعلى عليه).
لحم البرقوق: من الأطباق الفاخرة التي تُقدم في الأعراس المكناسية.
الخليع: الذي يُصنع بدقة متناهية ويُخزن لاستخدامه في الفطور.
الحلويات: تشتهر المدينة بـ "شباكية مكناس" وحلويات اللوز التقليدية.
الخاتمة:
مكناس هي المدينة التي تمنحك شعوراً بالهيبة بمجرد المرور عبر أسوارها الضخمة. هي مدينة الصمود والجمال الرصين، التي استطاعت أن تحافظ على وقارها الإمبراطوري بعيداً عن صخب المدن الكبرى.
بين عبق الزيتون في سهولها، وشكيم الخيول في "المشور الستيني"، تظل مكناس شاهدة على عصر ذهبي للمملكة المغربية، ووجهة لا غنى عنها لكل من يرغب في قراءة تاريخ المغرب الحقيقي المكتوب على الحجر، والمنقوش في ذاكرة أهلها الكرام. إنها بحق، عاصمة التاريخ والجمال التي لا يمحوها الزمن.
...............

