أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

مدينة قفصة Gafsa التونسية: بوابة الجنوب الغربي وحاضرة الحضارة الكبسية العريقة

مدينة قفصة Gafsa التونسية: بوابة الجنوب الغربي وحاضرة الحضارة الكبسية العريقة

تعتبر مدينة قفصة Gafsa  واحدة من أقدم المدن في العالم التي شهدت استقراراً بشرياً متواصلاً، وهي قلب الجنوب الغربي التونسي النابض. تمتاز قفصة بكونها مزيجاً فريداً بين التاريخ السحيق الذي يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وبين الثروة المنجمية التي جعلت منها ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني التونسي. 

هي مدينة الواحات والجبال والمناجم، وهي الموطن الأول لما يعرف عالمياً بـ "الحضارة الكبسية".

مدينة قفصة Gafsa التونسية: بوابة الجنوب الغربي وحاضرة الحضارة الكبسية العريقة

أصل التسمية:

يعود أصل تسمية قفصة إلى الجذر اللاتيني "كابسـا" (Capsa)، وهو الاسم الذي أطلقه عليها الرومان.

  • في العصور القديمة، كانت تُعرف بـ "كابسا"، ومنها اشتقت تسمية "الحضارة الكبسية" (Capsian Culture) التي تؤرخ للعصر الحجري الوسيط.

  • مع الفتح الإسلامي، تم تعريب الاسم ليصبح "قفصة". وتذهب بعض التأويلات التاريخية إلى أن الاسم مشتق من طبيعة موقعها كمدينة محصنة طبيعياً بين الجبال والواحات، مما جعلها بمثابة "القفص" المنيع أو الحصن.


نبذة تاريخية:

تاريخ قفصة ليس مجرد أحداث، بل هو سجل للحضارة الإنسانية:

  1. العصور الحجرية: تعتبر قفصة مهد "الحضارة الكبسية" (بين 10,000 و6,000 سنة قبل الميلاد)، حيث استوطن الإنسان القديم المنطقة وترك آثاراً هامة من أدوات حجرية ورسوم.

  2. العهد الروماني والبيزنطي: كانت "كابسا" مدينة حرة ومزدهرة، وقد أقام فيها الرومان المنشآت المائية الشهيرة (الأحواض الرومانية) التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

  3. العهد الإسلامي: فتحها عقبة بن نافع، وصارت مركزاً تجارياً وعلمياً هاماً يربط بين القيروان وبلاد المغرب العربي والصحراء الكبرى.

  4. تاريخ المناجم: شهدت المدينة تحولاً جذرياً في أواخر القرن التاسع عشر (1885) مع اكتشاف الفوسفات، مما غير وجهها الاجتماعي والاقتصادي تماماً.


الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي:

الشعوب الأصلية: 

سكن المنطقة قديماً الأمازيغ (البربر)، وهم السكان الأصليون الذين برعوا في زراعة الواحات وتطوير نظم الري. ومع الزحف الهلالي والفتح الإسلامي، استقرت القبائل العربية (مثل قبائل الهمامة) وانصهرت مع الأمازيغ لتشكل نسيجاً اجتماعياً يتسم بالفروسية، الأنفة، والكرم الحاتمي.

الاستيطان الأوروبي:

مع دخول الاستعمار الفرنسي عام 1881، ركزت فرنسا اهتمامها على قفصة بسبب "الفوسفات". أُنشئت مدينة أوروبية حديثة بجانب المدينة القديمة، وضمت أحياءً للمهندسين والمديرين الفرنسيين (مثل حي "المتروفيل" في المتلوي القريبة). تم بناء السكك الحديدية لربط مناجم قفصة بميناء صفاقس، وظل الوجود الأوروبي مرتبطاً بالاستغلال المنجمي حتى الاستقلال في 1956.


الموقع والمساحة:

الموقع:

تقع قفصة في الجنوب الغربي التونسي، وهي نقطة التقاء استراتيجية بين إقليم الشمال والساحل وبين الصحراء. تبعد عن العاصمة تونس حوالي 350 كيلومتراً.

المساحة:

تمتد ولاية قفصة على مساحة تقدر بحوالي 8991 كيلومتراً مربعاً. وتتميز تضاريسها بوجود "شط الغرسة" وجبال "عرباطة" والواحات الكثيفة.


السكان:

يبلغ عدد سكان ولاية قفصة حوالي 350,000 نسمة. يتميز أهل قفصة بروح نضالية عالية، حيث عُرفت المدينة تاريخياً بمقاومتها للاستعمار وبحركاتها النقابية القوية (انتفاضة الحوض المنجمي عام 2008). المجتمع القفصي يقدس الروابط القبلية والعائلية، مع انفتاح كبير على العلم والتعلم.


المناخ:

يُصنف مناخ قفصة ضمن المناخ شبه الصحراوي:

  • الصيف: حار جداً وجاف، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية.

  • الشتاء: بارد وقارس، خاصة في الليل، مع تساقط محدود للأمطار.

  • الرياح: تشتهر المنطقة برياح "الشهيلي" الساخنة صيفاً، والتي تلعب دوراً في إنضاج التمور بالواحات.


الاقتصاد والصناعة:

قفصة هي العاصمة المنجمية لتونس:

الفوسفات:

تُعد "شركة فسفاط قفصة" (CPG) العمود الفقري للاقتصاد المحلي والوطني، حيث تُصنف تونس ضمن كبار منتجي الفوسفات عالمياً. تتركز المناجم في مدن الحوض المنجمي (المتلوي، الرديف، أم العرائس، والمظيلة).

الفلاحة:

تعتمد على زراعة الزيتون، واللوز، والتمور في الواحات (مثل واحة قفصة التاريخية المصنفة عالمياً ضمن النظم الزراعية التقليدية).

الصناعات التقليدية:

يشتهر "المرقوم القفصي" (سجاد تقليدي) بجودته العالية وألوانه الزاهية وتصاميمه الهندسية التي تعود جذورها للحضارة الكبسية.


العلوم والتكنولوجيا والجامعات:

تعتبر قفصة قطباً جامعياً هاماً في الجنوب:

جامعة قفصة:

تضم كليات ومعاهد متميزة مثل كلية العلوم، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، والمعهد العالي للدراسات التكنولوجية.

البحث العلمي:

يتركز البحث في المدينة على مجالات الجيولوجيا، تقنيات الاستخراج المنجمي، والكيمياء، بالإضافة إلى دراسات حول تطوير الزراعة في المناطق القاحلة.


الأكلات الشعبية:

المطبخ القفصي يتميز بقوة النكهة والارتباط بالأرض:

الكسكسي بالعلّوش: يُحضر بطريقة خاصة مع توابل قفصية حارة.

البركوكش: وهو نوع من العجين التقليدي الغليظ يُطهى مع البقوليات والقديد (اللحم المجفف).

البنديرة: أكلة تقليدية تعتمد على الخضار واللحم.

الرفيسة: طبق حلو يُصنع من التمر والسميد والزبدة العربية، ويقدم خاصة في المناسبات.


الأماكن السياحية:

الأحواض الرومانية: هما حوضان كبيران مبنيان من الحجارة الضخمة، يعود تاريخهما للعصر الروماني، ولا تزال المياه تتدفق فيهما.

واحة قفصة:

من أقدم الواحات في العالم، وتعتبر "غابة" وسط الصحراء تضم آلاف أشجار النخيل والزيتون.

جبل عرباطة:

محمية طبيعية تضم أنواعاً نادرة من الحيوانات (مثل الأروي والغزال) والنباتات.

متحف قفصة الأثري:

يضم مجموعات نادرة من أدوات العصر الكبسي والفسيفساء الرومانية.

القطار السياحي "الجرذون الأحمر":

ينطلق من المتلوي ليأخذ السياح في رحلة عبر السلاسل الجبلية والمناجم في مشهد سينمائي فريد.


اللغة والدين والعملة:

  • اللغة: العربية (الدارجة التونسية بلهجة جنوبية مميزة وفصيحة). الفرنسية تُستخدم في الإدارة والتعليم العالي.

  • الدين: الإسلام هو الدين السائد، وتنتشر في قفصة الزوايا الصوفية والمساجد العتيقة التي تعكس تاريخ التصوف في المنطقة.

  • العملة: الدينار التونسي (TND).


علم تونس: رمز العزة

يرفرف علم تونس (الأحمر والقرص الأبيض مع النجمة والهلال) في كل ساحات قفصة. بالنسبة للقفاصة، العلم التونسي هو رمز للسيادة الوطنية التي دافعوا عنها بدمائهم في معارك الجلاء وفي انتفاضات الخبز والكرامة.

علم تونس

الخاتمة:

إن مدينة قفصة ليست مجرد مدينة مناجم وغبار فوسفات، بل هي واحة للروح وحاضنة للتاريخ البشري. هي المدينة التي علمت العالم فن البقاء في قلب الصحراء، والتي تبرهن يوماً بعد يوم على صمود أهلها وعراقة جذورهم. 

من يزور قفصة، لا يكتفي برؤية الأحواض الرومانية، بل يستنشق عبق آلاف السنين من الحضارة، ويلمس كبرياء شعب لا ينكسر. قفصة هي الجوهرة السمراء التي تضيء دروب الجنوب التونسي، وتبقى دائماً "كابسا" المنيعة والجميلة.

.............

تعليقات