مدينة البيضاء Al-Bayda city الليبية: مدينة الزاوية وسيدة الجبل الأخضر
تتربع مدينة البيضاء فوق قمم الجبل الأخضر كجوهرة بيضاء وسط غابات الصنوبر والعرعر، وهي المدينة التي ارتبط اسمها بالجمال الطبيعي والمكانة الدينية والسياسية الرفيعة. تُعد البيضاء من أهم المدن الليبية، فهي "عاصمة الزوايا" ومركز الثقل التاريخي في شرق البلاد، والمدينة التي تحتضن التاريخ الإغريقي في أحضان طبيعة متوسطية خلابة.
أصل التسمية والنبذة التاريخية:
يعود أصل تسمية المدينة بـ "البيضاء" إلى عام 1841م، عندما أقام "السنوسيون" فيها زاوية دينية عُرفت باسم "الزاوية البيضاء"، وذلك لشدة بياض جدرانها ومظهرها الناصع فوق الربوة. ومن هنا غلب الاسم على المنطقة المحيطة بها.
تاريخياً، تعود جذور الاستيطان في المنطقة إلى العصور الإغريقية، حيث كانت تابعة لمدينة قورينا (شحات حالياً) التي تبعد عنها بضعة كيلومترات فقط. في العصر الحديث، اكتسبت البيضاء أهمية سياسية كبرى، حيث كانت مقراً للحكومة الليبية في عهد المملكة، وكان يُخطط لها أن تكون العاصمة الإدارية للبلاد نظراً لموقعها الاستراتيجي وجمال مناخها.
الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي:
سكنت المنطقة قديماً قبائل الليبو والأمازيغ الذين تفاعلوا مع الإغريق. ومع وصول الفتح الإسلامي والهجرات العربية، استقرت فيها قبائل "برقة" الكبرى، وعلى رأسها قبائل "البراغيث" و"الحاسة" وغيرها من قبائل "المرابطين"، مما أعطى المدينة طابعاً اجتماعياً مترابطاً يغلب عليه الكرم البدوي الأصيل.
أما الاستيطان الأوروبي، فقد برز خلال الاحتلال الإيطالي (1911-1943). اعتبر الإيطاليون الجبل الأخضر منطقة حيوية للاستيطان الزراعي نظراً لخصوبة تربته التي تشبه ريف إيطاليا.
قام الاستعمار ببناء قرى زراعية ومبانٍ إدارية، لكنه واجه مقاومة شرسة من "أدوار" المجاهدين الذين اتخذوا من غابات البيضاء وكهوفها معاقل لشن هجماتهم ضد قوات الاحتلال.
الموقع، المساحة، والسكان:
الموقع: تقع البيضاء في شمال شرق ليبيا، وتعد أعلى مدينة ليبية مأهولة بالسكان، حيث ترتفع عن سطح البحر بنحو 624 متراً.
المساحة: تبلغ مساحة المدينة بضواحيها حوالي 200 كيلومتر مربع، وتتميز بتضاريسها الجبلية المتدرجة.
السكان: يبلغ عدد سكانها حوالي 250,000 نسمة، ويمتاز سكانها بالهدوء والرقي الاجتماعي، مع الحفاظ على التقاليد العربية الأصيلة.
المناخ: سويسرا ليبيا
تتمتع البيضاء بأجمل مناخ في ليبيا؛ فهو مناخ بحر متوسطي غابوي. الشتاء في البيضاء بارد جداً وغالباً ما تشهد المدينة تساقطاً كثيفاً للثلوج التي تكسو غاباتها باللون الأبيض في مشهد فريد. أما الصيف فهو معتدل ولطيف جداً، مما يجعلها المقصد الأول لليبيين الهاربين من حرارة الصيف في المدن الأخرى.
الاقتصاد والصناعة:
يعتمد اقتصاد البيضاء بشكل أساسي على:
الزراعة: هي سلة غذاء المنطقة الشرقية، حيث تشتهر بزراعة الحبوب، الفواكه (خاصة العنب والتفاح)، والزيتون.
الثروة الحيوانية: تشتهر بتربية الأغنام والماشية وإنتاج أجود أنواع الألبان واللحوم.
التجارة والخدمات: كونها مركزاً إدارياً وتجارياً للجبل الأخضر، تضم المدينة فروعاً للمصارف الكبرى والشركات الخدمية.
العلوم، التكنولوجيا، والجامعات:
تعد البيضاء مدينة العلم والعلماء، فهي تحتضن جامعة عمر المختار، التي بدأت كجامعة إسلامية (جامعة محمد بن علي السنوسي) وكانت منارة للعلوم الشرعية في شمال أفريقيا. اليوم، تضم الجامعة تخصصات حديثة في الطب، الزراعة، والهندسة، وتعد من الروافد العلمية الأساسية في الدولة الليبية. كما تهتم المدينة بالبحوث الزراعية نظراً لطبيعتها الجغرافية.
الأماكن السياحية:
معبد "سيدنا رويفع بن ثابت الأنصاري":
وهو أحد صحابة رسول الله الذين استقروا ودفنوا في المدينة، ويعد مسجده وضريحه معلماً دينياً بارزاً.
المدينة الأثرية في شحات (قورينا):
التي تبعد دقائق عن البيضاء وتعتبر من أهم مواقع التراث العالمي لليونسكو.
غابات ومناطق الاستجمام:
مثل منطقة "الكوف" و"وادي الكوف" الذي يضم أعلى جسر في ليبيا، ومناطق "حمادة" و"الوسيطة".
الأكلات الشعبية:
يتميز المطبخ في البيضاء بالنكهة الجبلية البدوية:
الأرز الجبلي:
الذي يُطهى بطريقة خاصة مع لحم "الوطني" (لحم الضأن المحلي).
المقطع:
عجينة تُقطع يدوياً وتُطهى في مرق حامض وحار مع البقوليات، وهي وجبة الشتاء المفضلة.
الفطيرة والخبر بالبصل:
من المعجنات التقليدية التي تُقدم مع الشاي.
العسل الجبلي:
الذي يجمعه النحل من أزهار الزعتر والمنسيات في الجبل الأخضر، ويعد من أجود أنواع العسل في العالم.
اللغة، الدين، والعملة:
اللغة: العربية هي اللغة الرسمية، وتتميز لهجة سكان البيضاء (الشرقية) بالبلاغة والهدوء وقربها من جذور اللغة العربية.
الدين: الإسلام السني، وللمدينة تاريخ صوفي سنوسي عميق ركز على تعليم القرآن ونشر قيم التسامح.
العملة: الدينار الليبي.
علم ليبيا:
يرفرف علم الاستقلال في ميادين البيضاء، مؤكداً على وحدة التراب الليبي:
الأحمر: فداء ومقاومة.
الأسود: يتوسطه الهلال والنجمة، رمزاً للحقبة السنوسية التي انطلقت من هذه الجبال لتحرير البلاد.
الأخضر: رمز للخير والنماء، وهو اللون الذي يكسو البيضاء طوال العام بفضل غاباتها.
الخاتمة:
البيضاء ليست مجرد مدينة على الخريطة، بل هي رئة ليبيا الخضراء وذاكرتها الدينية والسياسية. هي المدينة التي تجمع بين قدسية الزاوية، وهيبة الجبل، وجمال الثلج. تظل البيضاء بعبق الصنوبر الذي يفوح من أزقتها، وبكرم أهلها الذي لا ينضب، منارة شامخة في تاريخ ليبيا، وحصناً للثقافة والأصالة في قلب الجبل الأخضر.
............

