أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

مدينة المرج Al Marj city الليبية: حاضرة "برقة" القديمة وسلة غلال الجبل الأخضر

مدينة المرج Al Marj city الليبية: حاضرة "برقة" القديمة وسلة غلال الجبل الأخضر

تتربع مدينة المرج فوق سهل فسيح يفيض بالجمال والخضرة في قلب الجبل الأخضر بشرق ليبيا، وهي المدينة التي تجمع في هويتها بين عراقة الحضارات الإغريقية القديمة وبين طموح البناء الحديث. 

مدينة المرج Al Marj city الليبية: حاضرة "برقة" القديمة وسلة غلال الجبل الأخضر

تُلقب المرج بـ "سلة غلال ليبيا" لخصوبة تربتها الحمراء النادرة، وهي المدينة التي قهرت الزلزال وأعادت بناء نفسها من الركام، لتظل شاهدة على إرادة الإنسان الليبي وصموده فوق أرضه المعطاءة.


أصل التسمية والنبذة التاريخية:

يعود أصل تسمية "المرج" إلى طبيعتها الجغرافية؛ فـ "المرج" في اللغة تعني الأرض الواسعة ذات النبات والمرعى الخصيب، وهو وصف دقيق لسهلها الفسيح. تاريخياً، تُعد المرج امتداداً لمدينة "برقة" (Barca) التاريخية التي أسسها الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد (حوالي 550 ق.م).

كانت "برقة" القديمة مدينة ذات سيادة وقوة، وصكت عملتها الخاصة، واشتهرت بتصدير نبات "السلفيوم" النادر إلى روما والإغريق. ومع مرور العصور، تحولت المدينة إلى مركز إسلامي هام بعد الفتح في القرن السابع الميلادي.

 وفي العصر الحديث، انقسم تاريخ المدينة إلى مرحلتين: "المرج القديم" الذي دمره زلزال عنيف عام 1963، و"المرج الجديد" الذي بُني وفق أحدث المخططات الهندسية ليكون بديلاً عصرياً وآمناً.

الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي:

استوطنت القبائل الليبية القديمة (الأمازيغ) هذه المنطقة منذ فجر التاريخ، وتفاعلت مع المستوطنين الإغريق. ومع وصول الهجرات العربية الكبرى، استقرت في المرج وما حولها قبائل "السعادي" و"المرابطين" العريقة، وأبرزها قبيلة "العواقير" وقبيلة "الدرساء" و"البراغيث"، مما صبغ المدينة بطابع اجتماعي قبلي يتميز بالنخوة والكرم والفروسية.

أما الاستيطان الأوروبي، فقد برز بوضوح مع الاحتلال الإيطالي عام 1911. نظر الإيطاليون إلى سهل المرج بصفته "كاليفورنيا ليبيا" نظراً لخصوبة تربته، فأنشأوا فيها مستوطنات زراعية ضخمة وجلبوا المزارعين الإيطاليين. 

واجه أهل المرج هذا الاستيطان بمقاومة شرسة، وكانت المنطقة مسرحاً لعمليات المجاهدين بقيادة عمر المختار، وظلت المدينة عصية على الذوبان في الثقافة الاستعمارية حتى نيل الاستقلال.


الموقع، المساحة، والسكان:

الموقع:

تقع المرج في شمال شرق ليبيا، فوق هضبة المرج التي تُعد جزءاً من الجبل الأخضر. تبعد عن مدينة بنغازي نحو 94 كيلومتراً شرقاً، وتعتبر حلقة وصل رئيسية بين بنغازي والبيضاء.

المساحة: 

تمتد المرج فوق سهل زراعي فسيح يُعد من أكبر السهول الخصبة في شمال أفريقيا، وتتميز بتخطيطها العمراني الحديث (المرج الجديد) الذي يراعي المساحات الخضراء والطرق الواسعة.

السكان: 

يبلغ عدد سكانها حوالي 120,000 إلى 150,000 نسمة. يمتاز سكان المرج بالاستقرار الاجتماعي، والاشتغال بالزراعة والتجارة والوظائف الحكومية، ويشتهرون بكونهم من أكثر الشعوب الليبية محافظة على العادات والتقاليد الأصيلة.


المناخ: رئة الجبل الأخضر

تتمتع المرج بمناخ بحر متوسطي معتدل. الشتاء بارد وممطر بغزارة، مما يجعل "المرج" تغرق في بساط من الخضرة والزهور البرية. أما الصيف فهو معتدل ولطيف بفضل ارتفاعها عن سطح البحر وبعدها النسبي عن حرارة الصحراء. وتشتهر المدينة بظاهرة "الضباب" الكثيف الذي يغطي سهلها في الصباح الباكر، مانحاً إياها طابعاً أوروبياً خلاباً.


الاقتصاد والصناعة: عاصمة القمح والزيتون

يُشكل سهل المرج العمود الفقري للأمن الغذائي في شرق ليبيا:

  1. الزراعة: تُنتج المرج أجود أنواع القمح والشعير، وتشتهر بمزارع العنب واللوز والزيتون. وتُعد تربتها "الحمراء" من أخصب أنواع التربة في العالم.

  2. الثروة الحيوانية: تُعتبر مركزاً رئيسياً لتربية الأبقار والأغنام، وتعتمد عليها ليبيا في إنتاج اللحوم والألبان.

  3. الصناعات الغذائية: توجد بها مطاحن للغلال ومعاصر للزيتون وورش للصناعات التقليدية المرتبطة بالزراعة.


العلوم، التكنولوجيا، والجامعات:

تُعد المرج منارة تعليمية هامة؛ فهي تضم جامعة المرج (التي تتبع أحياناً لجامعة بنغازي أو جامعة عمر المختار حسب التقسيم الإداري)، وتضم كليات متميزة في الطب، الهندسة، والزراعة (التي تُعد الأهم نظراً لطبيعة المنطقة). 

كما توجد بها معاهد تقنية متقدمة تهتم بتطوير تقنيات الري والزراعة الحديثة، بالإضافة إلى نشاط بحثي في مجال الجيولوجيا والزلازل نظراً لتاريخ المدينة الجيولوجي.


الأماكن السياحية:

المرج القديم:

أطلال المدينة القديمة التي دمرها الزلزال، والتي تُعد اليوم مزاراً تاريخياً يروي قصة الفاجعة والصمود.

السهل الفسيح:

مساحات خضراء تمتد على مد البصر، وتعتبر من أجمل مناطق "الزردة" (التنزه) في ليبيا خلال الربيع.

سيدي ارحومة: 

منطقة قريبة تمتاز بمناظرها الجبلية وغاباتها الكثيفة.

متحف المرج: 

الذي يضم بعض المقتنيات الأثرية من العصور الإغريقية والرومانية التي عُثر عليها في المنطقة.


الأكلات الشعبية:

المطبخ في المرج يعكس جودة إنتاج أرضها:

الأرز بالخلطة: وهو الطبق الملكي في المناسبات، ويُحضر بلحم الضأن الوطني.

المقطع: وجبة العجين والحبوب الحارة التي تُطهى في ليالي الشتاء الباردة.

البازين: المصنوع من شعير المرج المعروف بجودته العالية.

الخبز المنزلي (خبزة التنور): التي تُصنع من قمح السهل وتُؤكل مع السمن والعسل الجبلي.


اللغة، الدين، والعملة:

  • اللغة: العربية هي اللغة الرسمية، وتتميز لهجة المرج بالفصاحة والقوة، وهي لهجة قبائل "الحرابي" والشرق الليبي المميزة.

  • الدين: الإسلام السني هو دين الغالبية العظمى، والمدينة تضم مساجد حديثة كبرى وزوايا قرآنية عريقة.

  • العملة: الدينار الليبي.


علم ليبيا:

يرفرف علم الاستقلال (الأحمر والأسود والأخضر مع الهلال والنجمة) فوق ميادين المرج الجديدة، وهو رمز للتحرر الوطني الذي كان للمرج دور كبير فيه عبر التاريخ، حيث قدمت المدينة قوافل من الشهداء في سبيل استقلال ليبيا ووحدتها.

مدينة المرج Al Marj city الليبية: حاضرة "برقة" القديمة وسلة غلال الجبل الأخضر
علم ليبيا

الخاتمة:

ستظل مدينة المرج دائماً رمزاً للتجدد والحياة؛ فهي المدينة التي ولدت من رحم الزلزال لتبني مستقبلاً أخضر. بفضل تربتها المعطاءة، وعزيمة أهلها الكرام، وموقعها الاستراتيجي في قلب الجبل الأخضر، تبقى المرج حارسة للأمن الغذائي الليبي ومنارة للعلم والأصالة. 

إنها المدينة التي تفتح صدرها للريح والضيف، وتغزل من سنابل قمحها قصة بقاء وشموخ، لتظل "المرج" دائماً زهرة برية نادرة في بستان الوطن الكبير.

...........

تعليقات