أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

مدينة قلهات Qalhat city الأثرية في سلطنة عمان: لؤلؤة الشرق المنسية

 مدينة قلهات Qalhat city الأثرية في سلطنة عمان: لؤلؤة الشرق المنسية

 تستحوذ مدينة قلهات التاريخية في سلطنة عمان على مكانة رفيعة في ذاكرة التاريخ الإنساني والملاحة العالمية، فهي ليست مجرد أطلال عتيقة تطل على مياه بحر عمان الساحرة، بل هي حكاية حضارة تجارية عريقة امتدت جذورها لقرون طويلة. 

مدينة قلهات Qalhat city الأثرية في سلطنة عمان: لؤلؤة الشرق المنسية
مدينة قلهات العمانية

انصهرت في جدرانها العريقة ثقافات الشرق والغرب، وحجزت لنفسها موقعاً مرموقاً على قائمة التراث العالمي لليونسكو، شاهدة على أمجاد أمة جعلت من البحر جسراً للتواصل الإنساني النبيل.

نبذة تاريخية:

يعود التألق التاريخي لمدينة قلهات إلى عصور القرون الوسطى المتقدمة، حيث بلغت أوج مجدها التجاري والسياسي بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين لتصبح العاصمة الثانية وميناءً رئيسياً لمملكة هرمز المزدهرة. 

زارها الرحالة العالمي الشهير ماركو بولو ووصفها بأنها مدينة عظيمة ذات ميناء فريد تقصده السفن التجارية المحملة بالتوابل والبضائع القادمة من الهند والصين وبلاد فارس. كما وثق الرحالة المغربي ابن بطوطة جمالها وعمرانها ومساجدها الفخمة، وخصوصاً مسجد بيبي مريم الشهير.

 وعانت المدينة لاحقاً من نكبات الزلازل المدمرة والهجمات الاستعمارية التي أدت إلى تراجع دورها، لتتحول اليوم إلى محمية أثرية كبرى تروي فصول المجد الغابر.

أصل التسمية:


تعددت الاجتهادات اللغوية حول أصل تسمية "قلهات"؛ فيرى المؤرخون أن الاسم قد يكون مشتقاً من جذور عربية قديمة تعني الأرض المرتفعة أو المكان المشرف على البحر،

 بينما يرجح آخرون ارتباط التسمية بلغات أجنبية قديمة كانت تتداولها الشعوب التجارية التي استوطنت الميناء واختلطت بسكان المنطقة، ليبقى اسم قلهات طابعاً فريداً يميز هذه البقعة الجغرافية الاستثنائية.

الشعوب الأصلية والاستيطان:

تميز المجتمع التاريخي في قلهات بكونه مجتمعاً كوسموبوليتياً منفتحاً؛ فقد استوطنتها القبائل العربية العمانية الأصلية التي أدارت شؤون التجارة والملاحة، إلى جانب تجمعات بشرية وجاليات تجارية وافدة من بلاد فارس والهند وشرق إفريقيا استقرت في أحيائها وسواحلها.

 وقد اندمجت هذه العناصر في نسيج متجانس اتسم بالتسامح الديني وحسن الضيافة والانفتاح الثقافي.

الاستيطان الأوروبي:

عرفت قلهات كغيرها من المدن الساحلية العمانية أطماع الاستعمار الأوروبي المبكر؛ ففي عام 1508م، وصلت الحملة البرتغالية بقيادة "ألبوكيرك" إلى السواحل القلهاتية، وتعرضت المدينة لهجمات وحصار وتدمير واسع النطاق بهدف تقويض قوتها التجارية والسيطرة على خطوط الملاحة في بحر عمان.

 ورغم المقاومة الباسلة التي أبها أهاليلها، أدى هذا الدمار الممنهج إلى هجرة السكان التدريجية وانحسار دورها التاريخي قبل أن يعيد التاريخ الاعتبار لمكانتها الأثرية.

الموقع والمساحة:

تقع أطلال مدينة قلهات التاريخية في محافظة جنوب الشرقية بسلطنة عمان، وتحديداً على الشريط الساحلي المطل على بحر عمان بين مدينتي صور وقريات، على منحدرات صخرية شاهقة تحيط بها الأودية العميقة. 

وتبلغ مساحة الموقع الأثري المحمي نحو عدة كيلومترات مربعة، وهو يمثل مجمعاً عمرانياً متكاملاً يضم سور المدينة القديمة، المقابر، وشبكات المياه، والآثار العمرانية.

السكان:

في الوقت الحاضر، لا تعد قلهات مدينة سكنية كبرى بالمعنى التقليدي، بل هي موقع أثري وسياحي بارز تحيط به قرى ساحلية صغيرة يعمل أهلها في صيد الأسماك والخدمات السياحية المرتبطة بالموقع. ويقطن المناطق المجاورة مواطنون عمانيون يتمسكفون بتراثهم البحري والتقليدي العريق.

الأكلات الشعبية:

تشترك قلهات في إرثها الغذائي مع ثقافة ساحل الشرق العماني، حيث تعتمد المائدة على المنتجات البحرية الطازجة:

  1. المكبوس والقبولي بالأسماك المحلية: الوجبة الأساسية المطبوخة بالأرز والبهارات العمانية.
  2. الأسماك المشوية على الطريقة التقليدية: الطريقة التي مارسها البحارة والصيادون لقرون.
  3. القهوة العمانية بالهيل والتمور الفاخرة: رمز الضيافة الدائم للزوار والباحثين.

الاماكن السياحية:

تتألق قلهات بمعالم أثرية فريدة تجذب الباحثين والسياح من مختلف أنحاء العالم:

  • مسجد بيبي مريم (الضريح الأثري): المعلم المعماري الأبرز في المدينة، ويتميز بقبته الفريدة ونقوشه الجصية والآيات القرآنية المحفورة التي تعكس براعة الهندسة المعمارية الإسلامية القديمة.
  • الأسوار والقلاع الدفاعية: بقايا التحصينات التي كانت تحمي الميناء والسفن التجارية.
  • الموقع الأثري المسجل في اليونسكو: الشوارع القديمة، والبيوت المهدومة، ومخازن البضائع التي توثق تاريخ التجارة العالمية.

الرياضة:

ترتبط الأنشطة الرياضية في المناطق المحيطة بقلهات بالبحر والتراث؛ حيث تمارس رياضات صيد الأسماك التقليدي، الإبحار، والسباقات البحرية الشاطئية، إلى جانب اهتمام الشباب بالأنشطة الرياضية العامة التي تدعمها الجهات الرسمية في ولاية صور القريبة.

الاقتصاد والصناعة:

يعتمد الاقتصاد المرتبط بالموقع اليوم على قطاع السياحة الثقافية والأثرية، والخدمات المساندة لزوار الموقع المدرج عالمياً. كما تلعب الأنشطة الاقتصادية المجاورة كميناء صور ومجمع الغاز الطبيعي المسال دوراً محورياً في تنشيط الحركة الاقتصادية للمنطقة ككل.

العلوم والتكنولوجيا والجامعات:

تستفيد قلهات كغيرها من المواقع الأثرية العمانية من أحدث التقنيات التكنولوجية في مجالات الآثار، مثل المسح بالليزر، وعلم الآثار الرقمي، والتوثيق الثلاثي الأبعاد الذي تنفذه وزارة التراث والسياحة بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث العلمي العالمية لتوثيق وحماية الإرث التاريخي.

المناخ:

يتميز مناخ قلهات بكونه حاراً ورطباً صيفاً كباقي السواحل العمانية المطلة على بحر عمان، بينما يكون دافئاً ومثالياً للاستجمام والزيارات السياحية خلال فصل الشتاء (من نوفمبر إلى مارس)، حيث تنخفض درجات الحرارة وتكون الأجواء لطيفة للغاية.

اللغة والدين والعملة:

  • اللغة: اللغة العربية هي اللغة الرسمية والأساسية، مع استخدام اللغة الإنجليزية في اللوحات الإرشادية السياحية والمعاملات الرسمية.
  • الدين: الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ويتبعه كافة المواطنين بانسجام تام وفق قيم التسامح والوسطية والتعايش السلمي.
  • العملة: الريال العماني (OMR) هي العملة الرسمية المتداولة والمعتمدة في كافة المعاملات المالية والمصرفية بالسلطنة.

علم السلطنة:

يرتفع علم سلطنة عمان خفاقاً في مواقع الزوار والفعاليات الثقافية بقلهات، بألوانه الثلاثة الأبيض والأحمر والأخضر، وشعاره الوطني المتمثل في السيفين والخنجر، دلالة على السيادة والسلام والاعتزاز بالهوية الوطنية.

مدينة قلهات Qalhat city الأثرية في سلطنة عمان: لؤلؤة الشرق المنسية
علم السلطنة

الخاتمة:

تظل مدينة قلهات الأثرية صفحة ناصعة في كتاب التاريخ العماني والعالمي. إنها شاهد حي على قدرة الإنسان العماني على بناء جسور الحضارة والتجارة مع مختلف أمم الأرض، لتظل بقاياها الشامخة تروي للأجيال قصة المجد والخلود على شواطئ بحر عمان الأبي.

........

تعليقات