مدينة أم قيس Umm Qais الاثرية: عروس الشمال الأردني ودرة التاريخ العريق
تعتبر مدينة أم قيس Umm Qais الأثرية، المعروفة تاريخياً باسم "جدارا"، واحدة من أهم وأروق المعالم الحضارية والسياحية في المملكة الأردنية ال هاشمية. ويمر بها اطول نفق مائي في العالم .
تتميز هذه المدينة بفرادة موقعها الجغرافي الذي يطل ببهاء على بحيرة طبريا، هضبة الجولان، ونهر اليرموك، مما جعلها على مر العصور ملتقى للثقافات وحلقة وصل استراتيجية بين بلاد الشام وفلسطين.
ام قيس الاثرية
تجمع أم قيس بين عراقة التاريخ وسحر الطبيعة، لتشكل متحفاً مفتوحاً ينبض بالحكايات والآثار الشاهدة على عظمة الحضارات السابقة.
اصل التسمية:
الموقع الجغرافي:
تقع أم قيس في أقصى الشمال الغربي من الأردن، وتتبع إدارياً لمحافظة إربد، وتبعد عنها نحو 110 كيلومترات إلى الشمال من العاصمة عمّان.
ترتفع المدينة حوالي 378 متراً عن سطح البحر، وهو موقع مرتفع ومنحدر يشرف بصورة مباشرة على مناطق استراتيجية هامة، مما منحها أهمية عسكرية ودفاعية وتجارية كبرى عبر التاريخ.
نبذة تاريخية:
يعود تاريخ الاستيطان البشري في أم قيس إلى أكثر من 2000 عام قبل الميلاد. وبلغت المدينة ذروة مجدها وازدهارها خلال العصرين الروماني والبيزنطي، حيث كانت تعرف باسم "جدارا" (Gadara)، وكانت واحدة من مدن اتحاد "الديكابوليس" (مدن الحلف العشرة) التجارية والثقافية.
كان اسمها (جدارا) بفتح الجيم المعجمة، ومعناه: (تحصين) أو (حصن)، ووردت لدى الجغرافيين المسلمين بأسم (جَدر) بفتح الجيم المعجمة والدال المهملة.
واسمها (جدارا) يوناني، أطلقه عليها اليونانيون عندما بنوها في القرن السابع قبل الميلاد؛ فعندما اجتاحت جيوش الإسكندر المقدوني منطقة الشرق الأوسط، قامت ببناء عدة مدن في بلاد الشام منها (جدارا).
ثم أطلق عليها أنطيوخوس الثالث السلوقي الذي احتلها عام 218 ق.م اسم (أفتيوخا). واحتلها الرومان في عام 63 ق.م وأعادوا إليها اسمها القديم (جدارا).
اشتهرت المدينة بأنها مركز للفلاسفة والأدباء، مثل الفيلسوف الساخر مينيبيوس والشاعر ميلياجروس، وظلت محط اهتمام العديد من الإمبراطوريات المتعاقبة نظراً لموقعها الحصين وطرق التجارة الحيوية التي تمر بها.
ومن أشهر شعراءها كذلك آرابيوس، الذي يخاطب زوار "أم قيس"، بكلمات محفورة على شاهد قبره،ويقول: "أيها المار من هنا، كما أنت الآن كنت أنا، وكما أنا الآن ستكون أنت، فتمتع بالحياة لأنك فان".
![]() |
| ام قيس الاثرية |
الحضارات التي تعاقبت على ام قيس:
تعاقبت على أرض أم قيس العديد من الحضارات العريقة التي تركت بصماتها الواضحة في معالمها وثقافتها، وأبرزها:
- الحضارة الهيلينستية: حيث بدأت المدينة تتخذ طابعاً مدنياً منظماً.
- الحضارة الرومانية: العصر الذهبي للمدينة، وشهدت بناء المسارح والمعابد وشوارع الأعمدة.
- الحضارة البيزنطية: أصبحت فيها المدينة مقراً لأبرشية دينية وشهدت بناء العديد من الكنائس.
- الحضارة الإسلامية (الأموية والعباسية): حيث عادت لها الحياة بقوة، ويدل على ذلك الحي الإسلامي الأثري الذي يضم مسجداً تاريخياً يعود للفترة الأموية.
أهم المعالم الأثرية في أم قيس:
تحتوي أم قيس على عدد هائل من الآثار والمباني المعمارية المذهلة، أبرزها:
- المسرح الغربي: بني من البازلت الأسود ويتميز بهندسته الصوتية الفريدة، وكان يتسع لآلاف المتفرجين ويطل على مناظر طبيعية خلابة.
- شارع الأعمدة (الكاردو): الشارع الرئيسي المرصوف بالحجارة القديمة والذي كان يمثل عصب الحركة التجارية في المدينة، تحيط به قواعد الأعمدة والأسواق.
- المدرج الشمالي: مسرح ثانٍ أصغر حجماً يقع في الجهة الشمالية للموقع.
- الحصن أو الأكروبول: المنطقة المرتفعة التي تضم بقايا معابد وقصور تعود للعصور الرومانية والبيزنطية.
- الحي الإسلامي: يعود للفترة الأموية، ويضم منازل مبنية من أحجار بازلتية ومسجداً جامعاً يعكس الطراز المعماري الإسلامي المبكر.
- متحف أم قيس الأثري: يقع في مبنى العبد الله الحمداني العثماني، ويضم مجموعة قيمة من التماثيل والعملات والقطع الأثرية المكتشفة في الموقع.
الزلازل التي ضربت أم قيس:
لم تكن طريق أم قيس مفروشة بالورود طوال تاريخها، فقد تعرضت لضربات قاسية وموجات من الزلازل المدمرة التي غيرت معالمها وأدت في بعض الأحيان إلى هجرانها جزئياً.
![]() |
| ام قيس الاثرية |
كان أبرز هذه الكوارث الزلزال المدمر الذي حدث في عام 749 ميلادية (زلزال الجليل الشهير) خلال العصر الأموي، والذي ألحق أضراراً بالغة بالبنى التحتية والمسارح والمعابد، تلاه زلزال آخر قوي في عام 1033 ميلادية.
هذه الزلازل، إلى جانب العوامل الطبيعية والزمنية، أسفرت عن طمر أجزاء واسعة من المدينة تحت أنقاضها قبل أن تبدأ البعثات الأثرية الدولية والمحلية بأعمال التنقيب وإعادة إحيائها.
أهم الرحالة الذين مروا على أم قيس:
جذبت أم قيس بآثارها الخالدة ومناظرها الساحرة انتباه العديد من الرحالة والمستكشفين الأجانب في القرنين التاسع عشر والعشرين، ومن أبرزهم:
- أولريش جاسبر سيتزن (1806): الرحالة الألماني الذي يعد من أوائل من أعادوا اكتشاف موقع "جدارا" القديم والتعرف على آثارها.
- جوهان لويس بوركهارت (1812): الرحالة السويسري الشهير الذي زار الموقع ووصف آثاره بدقة في مذكراته.
- جيمس سيلك بكنغهام (1816): الرحالة البريطاني الذي قدم وصفاً مفصلاً للمسارح والمقابر والأعمدة البازلتية في المدينة.
التصنيف من اليونسكو:
تتمتع مدينة أم قيس الأثرية بأهمية عالمية بالغة، حيث تحظى باهتمام واسع من الجهات التراثية الدولية والمحلية، وقد أُدرجت ضمن المواقع الأثرية الكبرى في الأردن التي تحظى بحماية رسمية ومتابعة مستمرة لتوثيق تاريخها وتهيئتها لاستقبال السياح من مختلف أنحاء العالم، بوصفها إرثاً إنسانياً فريداً يستحق الصون والتقدير.
الخاتمة:
تظل أم قيس أكثر من مجرد موقع أثري عابر؛ فهي نافذة مفتوحة على آلاف السنين من التفاعل البشري والحضاري. إن امتزاج حجارها البازلتية السوداء بزرقة بحيرة طبريا وخضرة السهول المجاورة يمنح الزائر تجربة استثنائية لا تُنسى.
إن حماية هذا الإرث العظيم وإبرازه سياحياً وثقافياً يعزز من مكانة الأردن كواحد من أهم حواضن التاريخ الإنساني في العالم.
...........

