أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

مدينة شانلي أورفة Şanlıurfa city التركية: مدينة الأنبياء ودرة الحضارات في بلاد ما بين النهرين

مدينة شانلي أورفة Şanlıurfa city التركية: مدينة الأنبياء ودرة الحضارات في بلاد ما بين النهرين

تُعد مدينة شانلي أورفة (المعروفة تاريخياً وشعبياً باسم "أورفة") واحدة من أعظم وأقدم المدن التاريخية والحضارية في الجمهورية التركية والعالم أجمع، وتُلقب بحق بـ "مدينة الأنبياء".

مدينة شانلي أورفة Şanlıurfa city التركية: مدينة الأنبياء ودرة الحضارات في بلاد ما بين النهرين
مدينة شانلي اورفة التركية

 تقع المدينة في منطقة جنوب شرق الأناضول، وتحتضن بين ربوعها إرثاً دينياً وإنسانياً مذهلاً يعود لأكثر من اثني عشر ألف عام، مما جعلها مهداً حقيقياً للحضارات البشرية الأولى ومحطة مقدسة للعديد من الأنبياء عليهم السلام، وفي مقدمتهم سيدنا إبراهيم وسيدنا أيوب عليهما السلام.

نبذة تاريخية وأصل التسمية:

تُعتبر شانلي أورفة واحدة من أقدم مستوطنات البشرية المأهولة باستمرار في العالم؛ فقد كشفت الاكتشافات الأثرية المذهلة في موقع "جوبكلي تپه" (Göbekli Tepe) القريب منها عن أقدم معبد حجري في تاريخ البشرية، والذي يعود إلى العصر الحجري الحديث قبل بناء الأهرامات بآلاف السنين. 

مرت على المدينة سلسلة طويلة من أعظم الحضارات؛ كالسومريين، والبابليين، والآشوريين، والفرس، والإسكندر الأكبر، والرومان، والبيزنطيين، قبل أن تدخل تحت الراية الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وتعاقبت عليها بعد ذلك دول الأمويين، والعباسيين، والزنجيين، والأيوبيين، وصولاً إلى العصر العثماني.


أما عن أصل التسمية، فقد عُرفت المدينة قديماً باسم "إديسا" (Edessa) في العصور اليونانية والرومانية، ثم أُطلق عليها اسم "أورفا".

 وفي عام 1984، تقديراً لدورها البطولي ومقاومتها الباسلة ضد قوات الاحتلال الفرنسي خلال حرب الاستقلال التركية، أضاف البرلمان التركي لقب "شانلي" (Şanlı) الذي يَعني "المجيدة" إلى اسمها، لتصبح رسمياً "شانلي أورفة".

الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي:

تتألف الشعوب الأصلية التي استوطنت منطقة أورفة تاريخياً من الآراميين، والعرب، والأكراد، والتركمان، والأرمن، والذين صاغوا معاً على مدار القرون نسيجاً ثقافياً واجتماعياً عريقاً ومتنوعاً.

وعلى صعيد الاستيطان الأوروبي، لم تكن أورفة مدينة ساحلية، لكنها شكلت عقداً تجارياً واستراتيجياً بالغ الأهمية على طريق الحرير وطرق التجارة التاريخية الواصلة بين الأناضول وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، 

مما جذب إليها رحالة وقناصل وتجاراً أوروبيين منذ العصور الوسطى وعصر الحملات الصليبية (حين كانت عاصمة لكنسية صليبية شهيرة)، فضلاً عن الاكتشافات الأثرية العالمية الحديثة التي تستقطب الباحثين والمستوطنين العلميين والأكاديميين من شتى أنحاء أوروبا والعالم.

الموقع والمساحة:

تقع شانلي أورفة في جنوب شرق تركيا على هضبة قريبة من الحدود السورية، وتتميز بموقع جغرافي استراتيجي يربط الشرق الأوسط بالأناضول. تجاورها محافظات هامة مثل غازي عنتاب، ماردين، ديار بكر، وأديامان. 

تبلغ مساحة مدينة شانلي أورفة الكبرى حوالي 19,451 كيلومتراً مربعاً، وتتنوع تضاريسها بين السهول الزراعية الواسعة والخصبة لسهول حران، والتلال والمرتفعات الهادئة.

السكان:

يبلغ عدد سكان شانلي أورفة الكبرى اليوم نحو 2.2 مليون نسمة، مما يجعلها واحدة من أكبر وأسرع المدن نمواً وسكاناً في جنوب شرق تركيا. يتميز مجتمع أورفة بطابعه المحافظ، وتقاليده الشرقية الأصيلة، وحفاوة كرم الضيافة المعروفة عن أهلها.

الأكلات الشعبية:

يتميز المطبخ الأورفي بطابعه الحار، الغني باللحوم الحمراء الطازجة، التوابل الشرقية، ودبس الرمان، ويُعد واحداً من أشهر المطابخ العريقة في تركيا. ومن أبرز الأطباق التقليدية التي تشتهر بها المدينة:

  • الكباب الأورفي (Urfa Kebabı): كباب اللحم المفروم المتبل بالفلفل غير الحار، المشوي على الأسياخ بعناية فائقة.
  • التشيك كفتة (Çiğ Köfte): طبق تقليدي شهير مصنوع من البرغل الناعم، اللحم النيء (أو بدونه في النسخ النباتية الحديثة)، ومعجون الفلفل الحار والتوابل الأورفية المميزة، ويُعجن ويدلك باليد بمهارة.
  • اللحم بعجين (Lahmacun): فطيرة رقيقة مغطاة بطبقة من اللحم المفروم والبصل والطماطم المتبلة وتُخبز في أفران الحطب.
  • الحلويات التقليدية: مثل "الكنافة الأورفية" المصنوعة من الجبن المحلي والقشطة الطازجة.

الأماكن السياحية:

تزخر شانلي أورفة بالعديد من المعالم الدينية والتاريخية والسياحية العالمية التي تسر الناظرين، ومن أبرزها:

  1. بحيرة الأسماك (Balıklıgöl): الموقع المقدسة الأبرز في المدينة، وهي بحيرة مليئة بأسماك الشبوط المُقدسة، ويُعتقد أنها المكان الذي ألقى فيه النمرود سيدنا إبراهيم عليه السلام في النار فحولها الله إلى بركة ماء وسلام.
  2. قلعة أورفة التاريخية: قلعة أ شامخة ترتفع فوق صخرة عملاقة وتطل على المدينة القديمة وبحيرة الأسماك وتضم عمودين تاريخيين شهيرين.
  3. جوبكلي تپه (Göbekli Tepe): أقدم معبد وموقع أثري في تاريخ البشرية (عمرها أكثر من 12 ألف سنة)، وهي مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
  4. مدينة حران التاريخية (Harran): مدينة أثرية قديمة تتميز بمنازلها الطينية المخروطية الفريدة وتاريخها المعماري المعجز.
  5. متحف شانلي أورفة الأثري: أحد أكبر وأحدث المتاحف في تركيا ويضم آلاف القطع الأثرية النادرة.

الرياضة:

تحظى الرياضة باهتمام جيد في أورفة، وتعتبر كرة القدم الشغل الشاغل لجماهير المدينة الشغوفة. يمثل المدينة نادي شانلي أورفة سبور (Şanlıurfaspor) الذي ينافس في الدوريات التركية المحترفة. كما تمتلك المدينة استاد شانلي أورفة المتقن وبنية تحتية متطورة للشباب والألعاب الرياضية المختلفة.

الاقتصاد والصناعة:

تُعد شانلي أورفة قطباً اقتصادياً وزراعياً صاعداً وقوياً في جنوب شرق تركيا. تعتمد على ركائز قوية تشمل:

  • مشروع غاب (GAP): المشروع التنموي والري العملاق الذي حول سهول أورفة الجافة إلى جنان خضراء مزروعة بالقطن والقمح والذرة بفضل مياه نهري دجلة والفرات.
  • القطاع الزراعي والحيواني: حيث تُعد أورفة سلة الغذاء الرئيسية في إنتاج القطن، الحبوب، والماشية.
  • الصناعات التحويلية والغذائية: ومشاريع التصنيع الزراعي والطاقة المتجددة الحديثة.

العلوم والتكنولوجيا والجامعات:

تُعتبر شانلي أورفة قطباً أكاديمياً وعلمياً رئيسياً في جنوب شرق تركيا، وتضم جامعة كبرى وعريقة تساهم في تطوير البحث العلمي والتعليم العالي:

  • جامعة حران (Harran Üniversitesi): واحدة من أكبر وأهم الجامعات الحكومية في تركيا، وتضم كليات متميزة في الطب، الهندسة، الزراعة، العلوم الإسلامية، والإنسانية، وتستقطب عشرات الآلاف من الطلاب وتضم مستشفيات جامعية كبرى لخدمة الإقليم.

المناخ:

تتمتع شانلي أورفة بمناخ قاري صحراوي وشبه جاف؛ حيث يكون الصيف شديد الحرارة وجافاً جداً (حيث ترتفع درجات الحرارة بشكل ملحوظ نهاراً)، بينما يكون الشتاء معتدلاً وماطراً ولطيفاً نسبياً مقارنة بشمال تركيا.

 هذا المناخ الدافئ يجعلها وجهة مثالية للزيارة والاستكشاف في فصلي الربيع والخريف والشتاء.

اللغة والدين والعملة:

  • اللغة: اللغة الرسمية الوحيدة والأساسية هي اللغة التركية، مع انتشار واسع جداً للغتين العربية والكردية بين السكان المحليين بحكم التنوع الثقافي والتاريخي للمدينة.
  • الدين: تدين الأغلبية الساحقة من السكان بـ الإسلام (المذهب السنّي)، وسط إرث ديني وتاريخي عريق يربط المدينة بذكرى الأنبياء والرسل.
  • العملة: العملة الرسمية المتداولة هي الليرة التركية.

علم تركيا:

يتألف علم الجمهورية التركية من هلال أبيض ونجمة بيضاء توسطهما خلفية حمراء داكنة، وهو الرمز الوطني الأسمى المعبر عن كرامة الأمة ووحدتها واستقلالها وسيادتها.

مدينة شانلي أورفة Şanlıurfa city التركية: مدينة الأنبياء ودرة الحضارات في بلاد ما بين النهرين
علم تركيا

الخاتمة:

في ختام هذه المقالة، تثبت مدينة شانلي أورفة بكل اقتدار أنها عاصمة التاريخ الإنساني وواحة الأنبياء في قلب الشرق الأوسط.

 إن قدرتها الفريدة على مزج عبق جوبكلي تپه العتيق، وقدسية بحيرة الأسماك وبرداتها، وسحر حران الطينية، مع نهضتها التنموية الحديثة، تجعلها واحدة من أعظم وأجمل المدن التي تستحق الاكتشاف والتأمل في تركيا وعالمنا بأسره.

..........

تعليقات