أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

بلدة سال Sal town محافظة اربد الاردن: جوهرة تاريخية وحضارية

بلدة سال Sal town محافظة اربد الاردن: جوهرة تاريخية وحضارية 

تعتبر بلدة سال واحدة من أعرق البلدات وأكثرها تميزاً في محافظة إربد شمال الأردن. تتمتع هذه البلدة بتركيبة فريدة تجمع بين عراقة التاريخ وعبق الأصالة الريفية، والتطور الحديث الذي يدمج الماضي بالحاضر. 

بلدة سال Sal town محافظة اربد الاردن: جوهرة تاريخية وحضارية
بلدة سال - اربد الاردن

تشكل سال نموذجاً للقرى الأردنية التي حافظت على هويتها الثقافية والاجتماعية رغم زحف المدنية الحديثة، مما يجعلها محط أنظار الباحثين والمهتمين بالتراث والتاريخ الأردني العريق وقد زارها الرحالة البريطاني لورانس اوليفانت وذكرها في كتابه ( ارض جلعد).

1. نبذة تاريخية وأصل التسمية

تعود جذور الاستيطان البشري في بلدة سال إلى عصور موغلة في القدم، حيث تشير الشواهد الأثرية والمعالم التاريخية المنتشرة في أرجائها إلى تعاقب العديد من الحضارات العريقة عليها، بدءاً من العصور البرونزية والحديدية، مروراً بالفترات الهلنستية والرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى الفترات الإسلامية المتعاقبة.

أما فيما يتعلق بـ أصل التسمية، فهناك عدة روايات تاريخية ولغوية حول سبب تسمية البلدة بـ "سال":

  • الرواية اللغوية السامية: مع بدايه الفتح الاسلامي لبلاد الشام دخلت البلدة قوات الفتح الإسلامي بقيادة أبو عبيدة عامر بن الجراح وعسكرت بالمنطقة في انتظار مجيء قوات القائد خالد بن الوليد من العراق فلما جاء جيش خالد رآه المسلمين قد قدم تم تشبيهه كالسيل فتمحورت الكلمة الى سال.
  • الرواية التاريخية: تشير بعض المراجع إلى أن التسمية قد تكون مرتبطة بمصادر المياه القديمة أو عيون المياه التي كانت "تسيل" بغزارة في وادي البلدة قديماً، مما أضفى عليها اسم "سال" تيمناً بجريان الماء والخير.

2. الشعوب الأصلية والحضارات المتعاقبة

شهدت بلدة سال على مر العصور استقرار العديد من الشعوب والحضارات التي تركَت بصماتها واضحة في نسيجها الثقافي والأثري:

الكنعانيون والآموريون: وهم من أوائل الشعوب السامية التي استوطنت سهول شمال الأردن، حيث أسسوا النواه الأولى للتجمعات السكانية واستفادوا من خصوبة التربة للزراعة.

الأنباط واليونان: ترك هؤلاء بصماتهم الواضحة من خلال شبكات الطرق التجارية والقطع النقدية والمعالم المعمارية البسيطة التي اكتشفت في المنطقة، حيث كانت تقع ضمن شبكة التأثير النبطي واليوناني القريب من مدن الديكابولس (مثل أبيل ورباعا).

  أبيل (أبيلا): هي مدينة حرثا القديمة (موقع قويلبة الأثري حالياً) الواقعة شمال مدينة إربد في الأردن.

 رباعا (رافانا / رافن): وتُعرف تاريخياً باسم تل شهاب الواقعة اليوم عند الحدود الأردنية السورية (أو تل الأشعري جنوب سوريا في بعض المراجع).

الرومان والبيزنطيون: ازدهرت البلدة بشكل ملحوظ خلال العصرين الروماني والبيزنطي، ويشهد على ذلك الآثار المعمارية والمقابر الصخرية والمعاصر القديمة المنتشرة في أراضي سال، والتي تعكس النشاط الزراعي الواسع وخاصة زراعة الكروم والزيتون وإنتاج الزيت والنبيذ.

العصر الإسلامي: مع الفتوحات الإسلامية، أصبحت سال جزءاً من أجناد الشام، واستوطنتها القبائل العربية المسلمة التي تمازجت مع السكان الأصليين، وأسهمت في صياغة الهوية العربية الإسلامية للبلدة التي استمرت حتى يومنا هذا.

3. الموقع الجغرافي والمساحة

تقع بلدة سال إلى الشرق من مركز مدينة اربد على بعد 6 كم إلى الشمال من الطريق الواصل ما بين اربد والرمثا عبوراً ببشرى، وتعد البلدة هضبة مرتفعة يقع في أعلاها تل صناعي، يبلغ ارتفاع الهضبة والتل حوالي 750 م وتعد ثاني أكثر البلدات ارتفاعاً في منطقة قصبة إربد بعد بلدة بيت راس. 

بشكل عام، تعد البلدة أراضٍ سهلية باستثناء منطقة التل ومنطقة وادي الشلالة. يحد البلدة من الشمال بلدة حكما والمغير ومن الجنوب بلدة حوارة ومن الغرب اربد وبلدة بشرى ومن الشرق وادي الشلالة ومدينة الرمثا. يعد موقع البلدة استراتيجياً في منطقة شرق إربد لإطلالها على عدد كبير من القرى المجاورة.

بلدة سال Sal town محافظة اربد الاردن: جوهرة تاريخية وحضارية
سهول بلدة سال - اربد ( المنظر البانورامي لجبل الشيخ )

المساحة:

تبلغ مساحة بلدة سال التنظيمية والزراعية حوالي 10 كم2، حيث تحيط بها الأراضي الزراعية الخصبة من كل الجهات، وتمتد على هضاب وسهول منبسطة تتخللها بعض التلاع والأودية الصغيرة التي تغذي حوض نهر اليرموك ووادي العرب بطريقة غير مباشرة.

4. السكان والعشائر

يبلغ عدد سكان بلدة سال أعداداً تُقدر ب 12،000 الف نسمة، وتشهد البلدة نمواً سكانياً مطرداً نتيجة التوسع العمراني وقربها من جامعة اليرموك ومدينة إربد الكبرى.

التركيبة العشائرية:

يتألف المجتمع المحلي في سال من نسيج عشائري عريق متماسك، يضم عدداً من العائلات والعشائر الأردنية الأصيلة التي قطنت المنطقة منذ قرون، وتعمل هذه العشائر بروح الأسرة الواحدة، وتحافظ على التقاليد العربية الأصيلة مثل إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، والتكافل الاجتماعي.

 ومن هذه العشائر العبابنة والجرادات، وكذلك هناك عائلات اخرى من  (القضاة والدهامشة واللوباني والشلبي والفرج والكردي والضمور والنصيرات والبطاينة والخرابشة).

النشاط الاجتماعي:

يتميز أهالي سال بارتباطهم الوثيق بالأرض، وحرصهم الشديد على التعليم، حيث خرجت البلدة مئات الكفاءات العلمية والأكاديمية والعسكرية والطبية التي خدمت الأردن في مختلف قطاعات الدولة.

5. الأكلات الشعبية التراثية

تزخر المائدة السالية (نسبة إلى بلدة سال) بالعديد من الأكلات الشعبية الأردنية الأصيلة التي تحرص العائلات على إعدادها في المناسبات والأيام العادية، وتعكس هذه الأكلات كرم الضيافة والبيئة الزراعية للبلدة:

  • المنسف الأردني: الطبق الوطني الأول، ويُعد بالجميد الكركي أو الإربدي اللبن واللحم البلدي والسمن البلدي ويُقدم على فراش من الرقاق والأرز ومزیناً باللوز والصنوبر، وهو سيد الموائد في الأعراس والأعياد.
  • المكمورة: من الأكلات التراثية الشهيرة في شمال الأردن، وتتكون من طبقات العجين المحشوة بالبصل المتبل بزيت الزيتون واللحم، وتُخبز بطريقة تقليدية خاصة حتى تصبح ذات نكهة ورائحة مميزة.
  • المفتول : يُعد يدوياً من دقيق القمح ويُطبخ على البخار ليقدم مع مرق اللحم أو الدجاج والحمص والبصل واليقطين.
  • الرشوف: وجبة شتوية دافئة تُصنع من جريش القمح أو العدس والجميد، وتُعد خصيصاً في الأيام الباردة لمد الجسم بالطاقة والتدفئة.
  • الزعتر وزيت الزيتون: الطبق اليومي الدائم على مائدة الإفطار والعشاء، حيث يشتهر أهالي سال بصناعة زيت الزيتون البكر الممتاز.

6. الأماكن السياحية والآثار

تحتوي بلدة سال على كنز تاريخي وأثري غير مسبوق في كثير من الأحيان، نظراً لعدم استكشاف كامل مواقعها بشكل تجاري، إلا أن المعالم البارزة تشمل:

بلدة سال Sal town محافظة اربد الاردن: جوهرة تاريخية وحضارية
انياب التنين

  1. انياب التنين : هي مدببات اسمنتية قام بعملها الجيش البريطاني ايام الحرب العالمية الثانية لمنع مركبات القوات الالمانية والتركية من التقدم.
  2. تل سال الاثري: وهو تل روماني قديم استخدم للاستطلاع والانذار المبكر لحماية سهل حوران،  والآن يعلوه خزان ماء بني حديثاً غير مستخدم. بعد ذلك استخدم مقبرة للمسلمين من سكان المنطقة، وقد توقف الدفن فيه في الوقت الحالي لعدم وجود أماكن للدفن.
  3. المواقع الأثرية القديمة (الخربة القديمة): تضم البلدة بقايا مواقع أثرية قديمة تحتوي على أساسات حجرية، ومعاصر للزيتون والعنب منحوتة في الصخر، وكهوف ومقابر رومانية وبيزنطية قديمة تدل على عراقة المكان.
  4. المسجد العمري القديم: يمثل المسجد التاريخي في وسط البلدة معماراً دينياً وتراثياً يعكس روح العمارة الإسلامية التقليدية في القرى الأردنية.
  5. الطبيعة الخلابة: تتميز التلال المحيطة بسال بمناظرها الطبيعية الساحرة، وخاصة في فصل الربيع حيث تكسو الأرض حلة خضراء زاهية مزينة بزهور الشقائق والبابونج، مما يجعلها مقصداً لمحبي التنزه والطبيعة.

7. الرياضة والشباب

تحظى الرياضة باهتمام كبير من قِبل شباب بلدة سال، حيث تشكل الأنشطة الرياضية جزءاً هاماً من الحياة اليومية:

  • نادي سال الرياضي: يعتبر المنصة الأساسية للأنشطة الشبابية والرياضية والثقافية في البلدة، حيث يشارك في البطولات المحلية المختلفة وخاصة في رياضات كرة القدم وكرة الطائرة والأنشطة الكشفية.
  • الملاعب والساحات الشعبية: تنتشر الساحات والملاعب الشعبية بين أحياء البلدة والتي تشهد دورات رمضانية وبطولات شبابية تنمي روح المنافسة والتعاون بين أبناء الجيل الناشئ.

8. الاقتصاد والصناعة

يعتمد الاقتصاد المحلي في بلدة سال على عدة ركائز أساسية تتنوع بين الزراعة والوظائف الحكومية والقطاع الخاص:

  • الزراعة وإنتاج الزيتون: تُعد الزراعة المصدر التاريخي لدخل الأهالي، وتشتهر البلدة بمساحات واسعة مزروعة بأشجار الزيتون المعمرة، فضلاً عن زراعة القمح والشعير وبعض الخضروات البعلية والمروية.
  • التجارة والخدمات: نظراً لقربها من مدينة إربد، يعمل عدد كبير من أبناء البلدة في قطاعات التجارة والخدمات والوظائف المدنية والعسكرية.
  • الصناعات الحرفية والمنزلية: تشمل الصناعات التقليدية مثل إنتاج زيت الزيتون، والمخللات، والمربيات، والصناعات الغذائية الريفية التي تسهم في دعم الأسر المنتجة.

9. العلوم والتكنولوجيا والجامعات

لم تكن بلدة سال بمعزل عن النهضة العلمية والتكنولوجية التي تشهدها المملكة الأردنية الهاشمية، بل كانت سباقة في دعم التعليم:

  • المدارس والمؤسسات التعليمية: تحتضن البلدة عدداً من المدارس الحكومية والخاصة للمراحل المختلفة، والتي تخرج منها مئات الطلاب المتميزين سنوياً.
  • مدرسة سال الثانوية للبنين: تعتبر مدرسة سال الثانوية للبنين من المدارس النظامية في محافظة اربد وقراها حيث تأســـست عام 1949م وكان أول مدير لها هو الاستاذ محمد طلفاح ( 1949-1953) وعاشت مرحلتها الذهبية في ظل إدارة مديرها الاستاذ الفاضل توفيق ذيب جرادات (1979- 1995)
  • القرب من الجامعات الكبرى: تتميز سال بموقع جغرافي قريب جداً من جامعة اليرموك وجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية وجامعة إربد الأهلية، مما جعل نسبة كبيرة من أبنائها من حملة شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في مختلف تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب.
  • التحول الرقمي: تشهد البلدة استخداماً واسعاً لتقنيات التكنولوجيا الحديثة والإنترنت عالي السرعة، مع وجود جيل واعد من المهندسين ومطوري البرمجيات والتقنيين.

10. المناخ

يمتاز مناخ بلدة سال بكونه مناخاً متوسطياً معتدلاً:

  • صيفاً: دافئ جاف، يتميز بنسمات هواء عليلة لطيفة ليلاً، نظراً لارتفاع البلدة عن سطح البحر.
  • شتاءً: بارد ماطر، حيث تسجل درجات الحرارة انخفاضات ملحوظة، وتتأثر البلدة بالمنخفضات الجوية القادمة من الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وأحياناً تتساقط الثلوج الخفيفة التي تضفي على تلالها جمالاً ساحراً.

11. علم الأردن في وجدان أهالي سال

يرتبط أبناء بلدة سال ارتباطاً وثيقاً بالهوية الوطنية الأردنية، ويثبتون دائماً ولاءهم وانتماءهم للتراب الطهور ولراية الوطن. 

يُرفرف علم المملكة الأردنية الهاشمية بشموخ فوق المدارس والمؤسسات والبيوت في سال، معبراً عن معاني الكرامة، والحرية، والعروبة، والتضحية التي جسدها الآباء والأجداد في مسيرة بناء الوطن الغالي تحت القيادة الهاشمية الحكيمة.

بلدة سال Sal town محافظة اربد الاردن: جوهرة تاريخية وحضارية
العلم الاردني

12. الخاتمة

تظل بلدة سال في محافظة إربد عنواناً للأصالة والتألق الأردني، فهي تجمع بين عبق التاريخ وحضارة الحاضر وطموح المستقبل.

 إن تماسك مجتمعها، وعراقة تراثها، واهتمام أبنائها بالعلم والعمل، يجعلها نموذجاً للقرية الأردنية النابضة بالحياة والانتماء. إن زيارة سال ليست مجرد جولة في بلدة ريفية عادية، بل هي رحلة عبر الزمن تستكشف فيها صفحات مجيدة من تاريخ الأردن الشامخ، ولقاء مع أهل الكرم والجود والطيبة.

...........

تعليقات