أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

بلدة الطيبة The town of Al-Taybah (محافظة معان): درة إقليم البتراء وذاكرة الجنوب الأردني

بلدة الطيبة The town of Al-Taybah (محافظة معان): درة إقليم البتراء وذاكرة الجنوب الأردني

تُعدّ بلدة الطيبة (المعروفة في الجنوب الأردني بـ الطيبة الجنوبية تمييزاً لها عن غيرها) واحدة من أبهى وأعرق البلدات التراثية في جنوب المملكة الأردنية الهاشمية؛ إذ تشكل جزءاً رئيسياً من لواء البتراء التابع لإقليم البتراء ومحافظة معان.

بلدة الطيبة The town of Al-Taybah (محافظة معان): درة إقليم البتراء وذاكرة الجنوب الأردني

تجمع الطيبة بين عظمة التاريخ النبطي المعتلي القمم، وأصالة العمارة الريفية الجبلية، وجمال الطبيعة الصحراوية والمرتفعات الشاهقة المطلة على وادي عربة وجبال الشراة، لترسم خريطة إنسانية وثقافية ينبض فيها الحجر بذاكرة الوطن.

1. نبذة تاريخية وأصل التسمية:

النبذة التاريخية:


تعود أصول الاستيطان في الطيبة محافظة معان ومحيطها الجبلي إلى العصور الحجرية القديمة، مروراً بالعصور الأدومية ثم العصر النبطي الذهبي، حيث كانت الطيبة موقعاً استراتيجياً وحصناً طبيعياً يحمي مداخل مدينة البتراء الأثرية وقوافل التجارة القديمة المتجهة نحو معان والعقبة.

استمرت الحياة فيها خلال العصرين الروماني والبيزنطي، ثم الحقبة الإسلامية، وصولاً إلى أواخر العهد العثماني وتأسيس الدولة الأردنية الحديثة.

أصل التسمية: 

استُمد اسم "الطيبة" من طيب أرضها ومناخها، وطيبة نفوس أهلها وكرمهم المتأصل. وقد عُرفت تاريخياً بأسماء يرتبط بعضها بالطبيعة الجبلية، غير أن اسم "الطيبة" غلب عليها لما حظيت به من طيب المأكل والماء والنسيم العليل مقارنة بالمناطق المجاورة.

2. الشعوب الأصلية والتكوين الديموغرافي (السكان والعشائر)

تضم البلدة مجتمعاً متماسكاً ينتمي إلى التكوين العشائري العريق لجبال الشراة وإقليم البتراء.

الشعوب الأصلية والعشائر: 

يُشكل أهالي الطيبة جزءاً أصيلاً من حلف عشائر اللياثنة (بني ليث) والقبائل المتجذرة في إقليم البتراء ووادي موسى؛ حيث تضم البلدة عائلات وعشائر مرموقة مثل عشائر الحسنات، السعيديين، السلامين، المشاعلة، الفرجات، الرواضية، والخليفات وغيرهم ممن استقروا في هذه الجبال، ورعوا أراضيها وحرسوا حماها عبر القرون.

اللغة والدين:

 يتحدث أهالي الطيبة اللغة العربية الأصيلة بلهجة جنوبية أردنية فصيحة تزخر بمفردات البادية والريف الأردني. ويشكل المسلمون عموم سكان البلدة، متمسكين بالقيم الإسلامية والأخلاق العربية السامية.

العملة والرمز الوطني:

 الدينار الأردني هو العملة الرسمية المتداولة، وتزدان المؤسسات والمنازل براية علم الأردن الشامخة المرفرفة في قمم جبال الشراة معبرة عن الولاء والانتماء للقيادة الهاشمية.

بلدة الطيبة The town of Al-Taybah (محافظة معان): درة إقليم البتراء وذاكرة الجنوب الأردني
علم الاردن

3. الموقع، المساحة، والمناخ:

  • الموقع: تقع الطيبة في الجزء الغربي من محافظة معان ضمن حدود إقليم البتراء، وتبعد عن مدينة وادي موسى (مركز البتراء) نحو 7 كيلومترات فقط جنوباً، وعن العاصمة عمّان زهاء 250 كيلومتراً.
  • المساحة: تمتد أراضي البلدة على سفوح جبلية ومدرجات زراعية واسعة تشرف مباشرة على منخفض وادي عربة وجبال فلسطين من جهة الغرب.
  • المناخ: تتميز بمناخ جبلي بامتياز؛ إذ تعتلي ارتفاعات عالية تفوق 1300 متر عن سطح البحر. يكون المناخ بارداً جداً وشديد البرودة شتاءً مع تساقط متكرر للثلوج والأمطار، بينما يمتاز الصيف بأجواء معتدلة ولطيفة ونسيم هواء جاف وعليل يستقطب الزوار.

4. التراث المعماري والقرية القديمة (طيبة زمان):

يمثل التراث المعماري في طيبة معان حكاية نجاح فريدة في الأردن؛ فقد بُنيت منازلها القديمة من الحجر الكلسي والوردي المحلي الطيني والأسقف الخشبية والقناطر الحجرية (العقد) المقاومة للتقلبات الجوية القاسية.

وقد تحولت القرية التراثية القديمة إلى منتجع سياحي عالمي يُعرف بـ "طيبة زمان" (Taybet Zaman)؛ حيث تم إعادة ترميم المنازل الحجرية القديمة والأزقة الضيقة والمضافات والسوق القديم ببراعة لتصبح نُزُلاً سياحياً يحافظ على طابعه المعماري الأصيل بدلاً من اندثاره، ليقدم نموذجاً أردنياً متميزاً في إعادة إحياء الموروث العمراني.

5. الحياة الاقتصادية القديمة وأساليب الزراعة والدراس:

اعتمد سكان الطيبة قديماً على الرعي والزراعة البعلية في السلاسل الجبلية والمدرجات:

  • أساليب الزراعة التقليدية: طوّع الأهالي الطبيعة الجبلية القاسية من خلال بناء السلاسل الحجرية (المدرجات) لمنع تجريف التربة. واعتمدوا على المحراث الخشبي التقليدي والدواب لحراثة سفوح الجبال، وزراعة الحبوب كالقمح والشعير، والمحاصيل البعلية مثل التين والعنب والزيتون الكرمي.
  • موسم الدراس: كانت عملية الحصاد تجمع أفراد العشيرة في البيدر؛ حيث تدرس السنابل بـ "اللوح" لفصل الحبوب عن التبن وسط الأهازيج والقصائد الشعبية الجنوبية التي تبث روح الهمة والتكاتف.

6. توثيق طرق معاصر الزيتون القديمة:

تضم الطيبة في أوديتها المجاورة أشجار زيتون معمرة تُعرف بالزيتون النبطي والروماني. وقد وثق التاريخ المحلي طرق استخراج الزيت عبر خطوات تقليدية متوارثة:

  1. القطف اليدوي: جني الثمار يدوياً بالتعاون الأسري الكامل مع مطلع فصل الخريف.
  2. الدرس باليد (حجر المعصرة): تُنقل الثمار إلى معاصر حجرية محفورة في الصخر؛ حيث يقوم "حجر البد" الدوار الهائل والمجرور بالحيوانات بتهشيم حبات الزيتون وتحويلها إلى عجينة ناعمة.
  3. الكبس والعصر اليدوي: تُفرغ العجينة في "قفاف" من الخوص والمسد، ثم تُضغط يدوياً بأساليب الروافع والأحجار الثقيلة أو البراغي الخشبية لاستخلاص الزيت الصافي الذي يُخزن في جِراء فخارية تحفظ جودته وطعمه الفاخر.

7. الأكلات الشعبية الأصيلة:

تنفرد بلدة الطيبة بمأكولات تُجسد بيئة الجنوب الأردني المفتوحة والجبلية:

  • المنسف الأردني: المطهو باللحم البلدي النقي وجديد جبال الشراة أو الشوبك مع الأرز وخبز الشراك.
  • المجللة الجنوبية (المكمورة الجنوبية): رقائق خبز الشراك المفتوت بالسمن البلدي والمرق واللحم والبصل.
  • الرشوف: شوربة الجريشة والعدس والجميد والسمن البلدي، وتعتبر الطبق الشتوي الأبرز لمنح الدفء في ليالي الثلج والبرد القارس.
  • خبز الطابون والشراك: المخبوز يدوياً على الصاج أو التنانير الفخارية القديمة.

8. الأماكن السياحية والأثرية:

  1. منتجع قرية طيبة زمان التراثية: القرية القديمة المرممة التي تعتبر متحفاً حياً يجسد الحياة الريفية والنبطية بأسلوب عصري راقٍ.
  2. المطلات البانورامية: موقع البلدة الشاهق المطلع مباشرة على جبال البتراء الوردية وأودية وادي عربة الشاسعة.
  3. القلاع والحصون الأثرية المجاورة: بقايا أبراج المراقبة النبطية والرومانية المنتشرة على القمم المحيطة بالبلدة.

9. العلوم، التكنولوجيا والجامعات:

شهدت الطيبة نهضة تعليمية كبيرة؛ حيث أسهمت المدارس القديمة في تخريج كفاءات من الأطباء والمهندسين والمعلمين والضباط. 

وتعتمد البلدة علمياً وتكنولوجياً على كليات ومؤسسات جامعة الحسين بن طلال في معان وجامعة الطفيلة التقنية، إضافة إلى مراكز البحث العلمي والتدريب السياحي والتكنولوجي التابعة لسلطة إقليم البتراء التنموي السياحي، مما أتاح للشباب فرص التخصص في تكنولوجيا المعلومات والهندسة والسياحة والتراث.

10. الرياضة والأنشطة الشبابية:

تنشط في الطيبة الهيئات الشبابية والرياضية؛ مثل مركز شابات الطيبة والأندية المحلية التي تنظم دوريات كرة القدم والأنشطة الكشفية والرحلات الأثرية. ويقبل شباب البلدة على رياضة تسلق الجبال، الجري في الطبيعة، والرياضات القتالية، حاصدين مراكز طيبة على مستوى محافظة معان والمملكة.

الخاتمة:

تظل بلدة الطيبة في محافظة معان شاهداً حياً على عبقرية الإنسان الأردني الذي صارع الصخر وطوّع الطبيعة الجبلية القاسية ليصنع حضارة وأصالة متجددة. 

إن توثيق هذه البلدة الساحرة ومبانيها التراثية ومعاصرها القديمة وتقاليد أهالها الممتدة من إرث بني ليث والأنباط هو صون لصفحة ناصعة من ذاكرة الأردن الوطنية، لتبقى الطيبة كما كان اسمها دائماً:

 طيبة بالأرض، وطيبة بالناس، وشموخاً يتسامى مع قمم جبال الشراة.

........

تعليقات