أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

طبقة فحل (بيلا) Pella محافظة إربد: درة الأغوار الشمالية ومهد الحضارات القديمة

طبقة فحل (بيلا) Pella  محافظة إربد: درة الأغوار الشمالية ومهد الحضارات القديمة

تُعدّ بلدة طبقة فحل (المعروفة عالمياً باسم بيلا - Pella) إحدى أقدم وأهم الحواضر الأثرية في المملكة الأردنية الهاشمية والشرق الأدنى القديم. 

طبقة فحل (بيلا) Pella  محافظة إربد: درة الأغوار الشمالية ومهد الحضارات القديمة
طبقة فحل - الاردن

تقع هذه البلدة الساحرة في لواء الغور الشمالي التابع لمحافظة إربد، حيث تشكل لوحة طبيعية وتاريخية فريدة تجمع بين خضرة وادي الأردن اليانعة والآثار الحجرية الضاربة في عمق التاريخ البشري، لتبدو كأنها متحف مفتوح يروي حكايات الشعوب والإمبراطوريات التي مرت من هنا على مدى أكثر من عشرة آلاف عام.

أصل التسمية:

حملت المنطقة عبر تاريخها الطويل عدة أسماء ارتبطت بالحضارات المتعاقبة عليها:


  • بيلا (Pella):
    أُطلق عليها هذا الاسم في العصر الهلنستي (اليوناني) حولي العام 310 ق.م على يد القادة المقدونيين بعد فتوحات الإسكندر المقدوني الأكبر، وذلك تخليداً وتيمناً بمدينة "بيلا" مسقط رأس الإسكندر في مقدونيا بشمال اليونان.
  • فحل: اسم عروبي كنعاني قديم عُرِفت به المنطقة في النصوص المصرية القديمة (مثل رسائل تل العمارنة ونصوص اللعنة) باسم "بيهليوم" (Pihilim) أو "فحل".
  • طبقة فحل: أُضيفت كلمة "طبقة" في العصور الإسلامية والحديثة للإشارة إلى الهضبة أو المصطبة الجبلية المرتفعة التي بنيت عليها المدينة القديمة، وتطل منها على غور الأردن وسهل بيسان.

نبذة تاريخية والشعوب الأصلية:

تُعتبر طبقة فحل من أقدم مناطق الاستيطان البشري المستمر في العالم، حيث تشير التنقيبات الأثرية إلى أن الإنسان استقر فيها منذ العصر الحجري الحديث (حوالي 6000 قبل الميلاد).

  • العصر البرونزي والكنعاني: استوطنها الكنعانيون وأقاموا فيها معابد ضخمة ومساكن، وكانت تشكل مركزاً حيوياً للتجارة والزراعة.
  • العصر الهلنستي والروماني: دخلت المدينة في حلف المدن العشر الشهير "الديكابولس" (Decapolis) خلال العصرين اليوناني والروماني، وازدهرت معمارياً وثقافياً. كما هرب إليها المسيحيون الأوائل من القدس في العهد الروماني.
  • الفتح الإسلامي (معركة فحل): شهدت المنطقة واحدة من أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي وهي "معركة فحل" عام 635م (13 هـ) بين جيوش المسلمين بقيادة أبا عبيدة عامر بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ضد القوات البيزنطية، حيث حقق المسلمون انتصاراً حاسماً فتح الباب لتأمين الشام.
  • الزلزال والتراجع: تعرضت المدينة لزلزال قاسي عام 749م ( الذي سمي بزلزال الجليل) أدّى إلى تدمير معظم مبانيها وكنائسها البارزة، ثم استمر الاستيطان فيها بدرجات متفاوتة خلال العصرين العباسي والمملوكي والعثماني.

الموقع والمساحة:

  • الموقع الجغرافي: تقع طبقة فحل في شمال غرب الأردن ضمن لواء الغور الشمالي التابع لمحافظة إربد. تبعد عن مدينة إربد نحو 45 كيلومتراً إلى الغرب، وتجلس على الأقدام الشرقية لمرتفعات إربد والأغوار الشمالية، متطلعةً غرباً بفيض من الجمال على نهر الأردن وسهل بيسان في فلسطين المحتلة.
  • المساحة والتضاريس: تمتد البلدة وموقعها الأثري على تل مرتفع يرتفع حوالي 150 متراً عن مستوى سطح البحر، وتحيط به الأودية والعيون المائية، وتبلغ مساحة الموقع الأثري الشاسعة عدة كيلومترات مربعة تجمع بين التلال والسهول الزراعية الخصبة.

السكان:

يقطن منطقة طبقة فحل والقرى المجاورة لها (مثل بلدة المشارع وخربة فحل) مجتمع أردني كريم ينتمي في ظله إلى عشائر وعائلات الغور الشمالي وإربد الأصيلة. 

يتميز السكان بالطابع الريفي والزراعي والتمسك بالروابط الاجتماعية المتينة والكرم الأصيل، ويصل عدد سكان اللواء ككل إلى عشرات الآلاف الذين يعملون في قطاعات الزراعة والخدمات والتجارة والوظائف الحكومية.

الأكلات الشعبية:

يعكس المطبخ في طبقة فحل والقرى المحيطة الهوية المزدوجة للمنطقة، حيث يمتزج المطبخ الريفي الشمالي بالأطباق الغورية والزراعية الخصبة:

  • المنسف الأردني: يُعد السفير الأول للمناسبات والولائم بجميده ولحمه السخي.
  • المكمورة الأردنية: طبق شمالي شهير يُصنع من طبقات العجين المحشوة بالدجاج والبصل والزيت البلدي الوفير ويُطهى بالفرن.
  • أطباق الخضار والأسماك النهرية: بفضل طبيعتها الزراعية وقربها من نهر الأردن والبرك المائية، تنتشر أطباق الخضار الطازجة (كالباميا والباذنجان المكمور) بالإضافة إلى أسماك المشارات النهرية المطبوخة بالتتبيلة الغورية التراثية.
  • خبز الطابون والصاج: يُخبز يومياً في بيوت القرية ويُقدم مع زيتها وزيتونها واللبنة البلدية.

الأماكن السياحية والآثار:

تضم طبقة فحل مجموعة من أنفس الآثار والمعالم السياحية في المملكة:

طبقة فحل (بيلا) Pella  محافظة إربد: درة الأغوار الشمالية ومهد الحضارات القديمة
طبقة فحل - الاردن

  1. التل الأثري الرئيسي: يضم طبقات استيطانية متعاقبة تعود للعهود الكنعانية والبرونزية والحديدية.
  2. المسرح الروماني والمدرج: بقايا مدرج روماني قديم ومباني عامة كانت تشكل قلب المدينة اليونانية والرومانية.
  3. الكنائس البيزنطية: تضم بقايا ثلاث كنائس بيزنطية رئيسية (الشرقية، والوسطى، والكرسي الأسقفي) مزينة بأعمدة وحجارة وبقايا لوحات فسيفسائية.
  4. المسجد المملوكي والخان العباسي: بقايا آثار إسلامية تعود للفترات العباسية والمملوكية تُظهر استمرار أهمية الموقع في العصور الإسلامية.
  5. الإطلالة البانورامية: توفر طبقة فحل إطلالة ساحرة ومذهلة على غور الأردن وجبال الضفة الغربية وسهل بيسان.

المناخ:

تمتاز طبقة فحل بمناخ دافيء ولطيف:

  • الشتاء: دافئ ولطيف جداً وممطر أحياناً، مما يجعلها من أفضل المقاصد للاشتواء والرحلات العائلية بين شهري تشرين الأول/أكتوبر وأيار/مايو.
  • الربيع: هو الفصل الأجمل على الإطلاق، حيث تكسو التلال والأودية سجادة خضراء زاهية مزينة بالزهور البرية والنباتات الغورية.
  • الصيف: حار ودافئ نهاراً مع انخفاض في رطوبة المرتفعات المجاورة مقارنة بأعماق الغور.

الاقتصاد والنشاط السكاني:

  • الزراعة: تُعتبر طبقة فحل والغور الشمالي سلة غذاء الأردن، حيث تُشتهر بزراعة الحمضيات (كالبرتقال والليمون)، والزيتون، الخضروات المروية، والقمح والشعير.
  • السياحة والتراث: تشهد المنطقة حركة سياحية وثقافية متميزة بفضل زوار الآثار وعشاق الطبيعة والمغامرات، مما يدعم بعض الأنشطة والمشاريع المحلية.

اللغة والدين والعملة:

  • اللغة: اللغة العربية هي اللغة الرسمية والسائدة بين السكان، وتُتحدث باللهجة الأردنية الشمالية والغورية المحببة.
  • الدين: الإسلام هو الدين السائد لكل السكان، وتنتشر المساجد في القرية واللواء.
  • العملة: الدينار الأردني (JOD) هو العملة الرسمية المتداولة في كافة المعاملات الاقتصادية والتجارية.

علم الأردن:

يُرفَع علم المملكة الأردنية الهاشمية بفخر واعتزاز فوق المؤسسات الحكومية والمدارس والميادين في طبقة فحل واللواء. 

يتألف العلم من ثلاثة أشرطة أفقية متساوية (أسود في الأعلى، أبيض في الوسط، وأخضر في الأسفل)، يربطها مثلث أحمر من جهة السارية يحتوي على نجمة سباعية بيضاء ترمز لآيات سورة الفاتحة السبع والمثاني، مجسداً الوحدة الوطنية والانتماء والشموخ الأردني الهاشمي.

طبقة فحل (بيلا) Pella  محافظة إربد: درة الأغوار الشمالية ومهد الحضارات القديمة
العلم الاردني

الخاتمة:

تظل بلدة طبقة فحل في محافظة إربد نموذجاً حياً للبلدة الأردنية التي تعانق التاريخ في كل شبر من أراضيها. 

إنها ليست مجرد موقع أثري على الخارطة السياحية، بل هي حكاية حضارة إنسانية بدأت من العصر الحجري، واستمرت عبر الكنعانيين واليونان والرومان وصولاً إلى الفتح الإسلامي الخالد في معركة فحل.

 وبجمال طبيعتها الأخاذ المطل على فلسطين وإرثها الأثري العريق، ستبقى طبقة فحل درةً غالية تزين جبين الأردن وتستحق التوثيق والتدوين في ذاكرة الزمان والمكان.

..........

تعليقات