أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

مدينة أكسوم Axum الاثيوبية: مهد المجد الإمبراطوري ودرة التاريخ العريق في أقصى شمال إثيوبيا

مدينة أكسوم Axum الاثيوبية: مهد المجد الإمبراطوري ودرة التاريخ العريق في أقصى شمال إثيوبيا

تُعد مدينة أكسوم (Axum) واحدة من أعظم وأقدم المدن التاريخية والحضرية في قارة إفريقيا والعالم بأسره. تقع المدينة في أقصى الشمال الإثيوبي ضمن إقليم تيغراي (Tigray Region)، وتُشكل رمزاً خالداً للهوية والحضارة الإثيوبية العريقة. 

مدينة أكسوم Axum الاثيوبية: مهد المجد الإمبراطوري ودرة التاريخ العريق في أقصى شمال إثيوبيا
مدينة اكسوم الاثيوبية

كانت أكسوم عاصمة لمملكة أكسوم العظيمة التي امتدت نفوذها عبر البحر الأحمر لتشمل أجزاء من شبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا، واشتهرت بآثارها المهيبة، ومسلاتها الضخمة، وتراثها الروحي المتمثل في كونها الحارسة لتابوت العهد بحسب التقاليد المسيحية الإفريقية.

 في هذا المقال الشامل، سنأخذكم في رحلة استكشافية متعمقة عبر تاريخ، جغرافية، اقتصاد، وثقافة مدينة أكسوم الخالدة.

1. نبذة تاريخية وأصل التسمية:

أصل التسمية:


يعود اسم "أكسوم" في جذوره اللغوية إلى لغة الجعز (Ge'ez) القديمة، وتشير الأساطير التاريخية والتراثية إلى أن التسمية مشتقة من مصطلحات ملكية قديمة أو نسبة إلى القائد والمؤسس الأسطوري (أكسوم)، بينما تفيد الدراسات اللغوية بأنها قد تعني "مدينة المياه" أو الحصن المحاط بالتلال بناءً على الطبيعة الطبوغرافية للمنطقة.

التاريخ الذهبي:

بلغت أكسوم ذروة مجدها وقوتها في الفترة ما بين القرن الأول والقرن السابع الميلادي، حيث كانت إمبراطورية تجارية كبرى تُناطح الإمبراطورية الرومانية والفارسية والبيزنطية. 

سكت أكسوم عملاتها الخاصة، وأسست شبكة تجارية عالمية ربطت الموانئ الإفريقية بالهند وأوروبا، وشهدت في القرن الرابع الميلادي دخول المسيحية لتصبح واحدة من أوائل الممالك في العالم التي تعتمد الديانة المسيحية رسمياً.

2. الشعوب الأصلية والتنوع العرقي:

  • ينتمي الغالبية العظمى من سكان مدينة أكسوم وضواحيها إلى قومية تيغراي (Tigrayans) العريقة، وهي مجموعة إثنية وسامية عريقة تمتلك إرثاً هائلاً من الفنون المعمارية الحجرية، الخط الجعزي الأصيل، والتقاليد الروحية العميقة.
  • إلى جانب قومية تيغراي التي تشكل العمق الديموغرافي والثقافي للمدينة، تستضيف أكسوم زواراً وباحثين ورهبانًا وسياحاً من شتى أنحاء العالم وإثيوبيا، مما يضفي عليها طابعاً روحياً وثقافياً عالمياً فريداً.

3. الاستيطان الأوروبي والتاريخ الحديث:

  • لم تتعرض أكسوم لاستعمار استيطاني أوروبي طويل الأمد، حيث حافظت إثيوبيا على استقلالها. ومع ذلك، شهدت المدينة اهتماماً استكشافياً وعلمياً أوروبياً مكثفاً في القرنين التاسع عشر والعشرين لدراسة آثارها الفريدة.
  •  كما تعرضت لفترة احتلال إيطالي قصيرة (1936–1941)، شهدت خلالها محاولات لنقل بعض المعالم الأثرية (مثل مسلة أكسوم الشهيرة التي أُعيدت لاحقاً من روما في عام 2005 وسط احتفالات وطنية كبرى)، قبل أن يُدحر الغزاة نهائياً.
  • في العصر الحديث، تحولت أكسوم إلى مدينة تراثية عالمية مسجلة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وقطباً سياحياً عالمياً.

4. الموقع الجغرافي والمساحة:

  • الموقع: تقع مدينة أكسوم في الجزء الشمالي لإقليم تيغراي بإثيوبيا، على بعد نحو 1000 كيلومتر شمال العاصمة أديس أبابا، وقريب جداً من الحدود مع دولة إريتريا. تتميز بموقع جغرافي مرتفع في قلب الهضبة الشمالية، وترتفع عن سطح البحر بنحو 2,130 متراً.
  • المساحة: تشغل المدينة مساحة إدارية وجغرافية واسعة تضم المنطقة الأثرية الكبرى، الأحياء السكنية التقليدية والحديثة، الأسواق التجارية، والسهول الزراعية المحيطة.

5. السكان والديموغرافيا:

تُعد أكسوم مدينة تاريخية وحضرية نشطة يبلغ عدد سكانها وضواحيها نحو 60,000 إلى 80,000 نسمة (مع تذبذب التقديرات بناءً على الظروف الإقليمية)، وغالبيتهم العظمى من السكان المحليين، والرهبان والكهنة المرتبطين بالأديرة التاريخية، والطلاب والعاملين في قطاع السياحة.

6. المناخ:

  • بفضل ارتفاعها الذي يبلغ نحو 2,130 متراً فوق سطح البحر، تتمتع أكسوم بمناخ معتدل ولطيف ومستقر طوال العام (مناخ المرتفعات الاستوائية المعتدلة).
  • تتراوح درجات الحرارة نهاراً غالباً بين 23 إلى 27 درجة مئوية، بينما تنخفض ليلاً لتصبح باردة ومنعشة للغاية. وتشهد المدينة مواسم أمطار صيفية منتظمة تغذي الأراضي والمواقع الأثرية المحيطة بها.

7. اللغة والدين والعملة:

  • اللغة: تُعد اللغة التغرينية (Tigrinya) اللغة الرسمية والأولى في الشارع، الإدارة، والتعليم، إلى جانب استخدام اللغة الجعزية (Ge'ez) في الطقوس الكنسية والمخطوطات التاريخية العريقة، واستخدام اللغة الأمهرية والإنجليزية في المؤسسات السياحية والأكاديمية.
  • الدين: تُعتبر أكسوم المهبط الروحي الأكبر للمسيحية الأرثوذكسية في إثيوبيا؛ حيث تحتضن كنيسة "سيدة صهيون مريم" التي يعتقد المسيحيون الإثيوبيون أنها تضم "تابوت العهد" الحقيقي، وتعتبر مقدسة للغاية، إلى جانب وجود مجتمعات مسلمة تعيش في تناغم ومحبة وسلام مجتمعي متميز منذ قرون.
  • العملة: العملة الرسمية المتداولة هي البير الإثيوبي (Ethiopian Birr - ETB).

8. علم إثيوبيا:

ترفع مدينة أكسوم، كباقي مدن ومقاطعات الجمهورية الإثيوبية، العلم الوطني الفيدرالي المكون من أشرطته الأفقية الثلاثة الشهيرة:

الأخضر: يرمز إلى الخصوبة والنماء والزراعة والطبيعة الخضراء الغنية التي تتميز بها مرتفعات تيغراي.
الأصفر: يرمز إلى السلام والأمل والعدالة الاجتماعية.
الأحمر: يرمز إلى التضحية والبطولة ودماء الشهداء دفاعاً عن الوطن.
القرص الأزرق والنجمة الخماسية الصفراء: في المنتصف، تعبيراً عن اتحاد وتلاحم القوميات والشعوب الإثيوبية ومستقبلها المشترك.

مدينة أكسوم Axum الاثيوبية: مهد المجد الإمبراطوري ودرة التاريخ العريق في أقصى شمال إثيوبيا
علم اثيوبيا

9. الأكلات الشعبية:

المطبخ في أكسوم يعكس تقاليد المرتفعات الشمالية العريقة لإثيوبيا وتيغراي:

  • الإنجيرا والوات: الخبز الإسفنجي المصنوع من حبوب التيف، ويُقدم مع يخنات اللحوم التقليدية (مثل الدورو وات المتبل بهارات البربري الحارة والزبدة المحلية).
  • الأطباق التقليدية لشمال إثيوبيا: مثل الأطباق المصنوعة من الحبوب الكاملة، العدس، والشعير والمتبلة بالتوابل الأصيلة.
  • قهوة البونا الإثيوبية: طقس يومي مقدس لتحضير وتقديم القهوة الطازجة برائحتها العطرة في كل مقهى ومنزل بالمدينة لتدفئة الأجواء.

10. الأماكن السياحية:

تزخر أكسوم بمعالم أثرية وتاريخية ودينية تجعلها قبلة للسياحة العالمية:

  1. حقل المسلات العملاقة (Axum Obelisks): الموقع الأثري الأشهر الذي يضم مسلات حجرية ضخمة ومنحوتة بدقة فائقة تعود إلى عصور الملوك الأكسوميين الأوائل، وتُعد أعجوبة هندسية معمارية فريدة.
  2. كنيسة سيدة صهيون مريم (Church of Our Lady Mary of Zion): المزار الديني المقدس الأهم في إثيوبيا، والذي يضم الكنيسة القديمة والجديدة وخزينة الآثار الملكية والكنسية.
  3. قصر الملكة ملكة سبأ (مأوى تابيا / Dungur Palace): أطلال القصر الملكي التاريخي المنسوب للملكة التاريخية العريقة والذي يعكس روعة الهندسة المعمارية القديمة.
  4. المقابر الملكية والأنفاق الحجرية: مقابر الملوك الأكسوميين المحفورة تحت الصخور والمزخرفة بدقة مذهلة.

11. الرياضة:

تحظى كرة القدم بشعبية واسعة وجارفة بين شباب أكسوم، وتبرز الأندية المحلية التي تمثل المدينة في المنافسات الإقليمية والوطنية، وسط حضور جماهيري حماسي كبير في ملعب المدينة. كما تشتهر المنطقة برياضات الجري لمسافات طويلة والمشي التاريخي والمسابقات الشبابية.

12. الاقتصاد والصناعة:

  1. السياحة الثقافية والتاريخية (عصب الاقتصاد): تُمثل أكسوم القطب السياحي الأبرز في إثيوبيا؛ حيث تجذب آلاف السياح والباحثين من جميع أنحاء العالم سنوياً، مما يدعم قطاع الفنادق، الخدمات السياحية، والحرف اليدوية التقليدية.
  2. الزراعة التقليدية والتجارة: تشتهر المنطقة بإنتاج الحبوب، البقوليات، وتربية المواشي، إلى جانب الأسواق التقليدية النابضة بالحياة التي تعرض المصنوعات اليدوية الفضية والمجوهرات التقليدية الأكسومية.

13. العلوم والتكنولوجيا والجامعات:

  • جامعة أكسوم (Axum University): الصرح الأكاديمي والتعليمي المرموق في المدينة (تأسست لتكون منارة للعلم والتنمية والبحث في التراث والتكنولوجيا)، وتضم كليات متميزة في مجالات الهندسة والتكنولوجيا، الطب والعلوم الصحية، الآثار والتاريخ، الزراعة، والأعمال، وتلعب دوراً بحثياً ومجتمعياً عالمياً.
  • المراكز البحثية الأثرية: تضم المدينة مراكز متخصصة لدراسة وترميم الآثار والحفاظ على التراث التاريخي العريق.

الخاتمة:

تجسد مدينة أكسوم قصة المجد الإثيوبي الخالد الذي يربط الماضي السحيق بالحاضر المزدهر. فمن مسلاتها الحجرية الشامخة وكنيستها المقدسة وجامعتها المرموقة، إلى سحر هوائها وتاريخها العريق الذي تعبق به كل زاوية، تثبت أكسوم يوماً بعد يوم أنها مهد الحضارة الإثيوبية ودرة متلألئة في القارة الإفريقية وعنوان دائم للفخر، التاريخ، والسلام.

.........

تعليقات