دليل جمهورية النمسا Austria الشامل : حاضرة الإمبراطورية العريقة وقلب أوروبا الثقافي والاقتصادي
تتربع جمهورية النمسا Austria في قلب القارة الأوروبية كإحدى أكثر دول العالم رفاهية، وثقافة، واستقراراً. إنها البلد الذي يمتزج فيه سحر الطبيعة الجبلية العذراء لجبال الألب مع إرث إمبراطوري باذخ صاغ تاريخ أوروبا لقرون طويلة.
![]() |
| جمهورية النمسا |
لطالما كانت النمسا ملتقى طرق للتجارة والفنون، ومهداً للموسيقى الكلاسيكية، وموطناً للهندسة المعمارية الباروكية والقصور الملكية، واليوم تقف كدولة حديثة رائدة اقتصادياً وتكنولوجياً وتتمتع بأعلى مستويات جودة المعيشة عالمياً.
يقدم هذا الدليل الشامل والمحسن بمبادئ محركات البحث (SEO) تحليلاً وافياً وشاملاً لكل جوانب الدولة النمساوية من الجغرافيا والتاريخ إلى السياسة، والقانون، والعلوم، والرياضة.
علم النمسا: راية الفرسان وواحد من أقدم الأعلام في العالم
يتميز العلم الوطني لجمهورية النمسا بتصميمه البسيط والأنيق، حيث يتألف من ثلاثة أشرطة أفقية متساوية: شريطان باللون الأحمر يحيطان بشريط أوسط باللون الأبيض. يُعد هذا العلم واحداً من أقدم الرايات الوطنية المستمرة في العالم، ويعود تاريخ اعتماده إلى القرن الثاني عشر وتحديداً عام 1191.
ترتبط ألوان العلم بأسطورة تاريخية شهيرة تعود إلى العصور الوسطى وحملات الفرسان:
أسطورة الدوق ليوبولد الخامس:
تروي الحكاية أن الدوق ليوبولد الخامس شارك في معركة عكا (1191) خلال الحملة الصليبية الثالثة، وبسبب ضراوة القتال، تلطخت ملابسه البيضاء بالكامل بالدماء الحمراء. وعندما خلع حزامه الحربي العريض، بقي مكان الحزام شريطاً أبيض ناصعاً محاطاً باللون الأحمر من الأعلى والأسفل، فاعتمد الإمبراطور هذا المنظر كشعار وراية للبلاد.
![]() |
| علم النمسا |
يُطلق على النمسا محلياً باللغة الألمانية اسم "أوسترآيخ" (Österreich)، وتعني هذه الكلمة حرفياً "المملكة الشرقية" أو "البلاد الشرقية".
ظهر هذا الاسم لأول مرة في وثيقة تاريخية مكتوبة عام 996 ميلادي تُعرف باسم "وثيقة أوستاريشي" (Ostarrîchi)، حيث كانت المنطقة تُمثل المقاطعة الحدودية الشرقية للإمبراطورية الرومانية المقدسة لحماية حدودها من الهجمات.
أما التسمية الدولية باللاتينية "أوستريا" (Austria)، والتي اشتُقت منها التسمية العربية "النمسا"، فهي تعريب وتعديل لفظي للاسم اللاتيّني القديم.
ومن المفارقات اللغوية أن الاسم العربي "النمسا" جاء عن طريق اللغات السلافية (مثل التشيكية والروسية)، حيث كانت القبائل السلافية تطلق على جيرانهم الألمان كلمة "نييميتس" (Njemci) والتي تعني "البُكم" أو "الذين لا نفهم لغتهم"، وتحول اللفظ بمرور الوقت في العربية ليشير إلى دولة النمسا تحديداً.
النبذة التاريخية والجذور العميقة
الشعوب الأصلية والاستيطان الأوروبي المبكر
يعود الاستيطان البشري في النمسا إلى العصر الحجري القديم، وأبرز دليل على ذلك هو اكتشاف تمثال "فينوس ويلندورف" الأثري الذي يعود لنحو 28,000 عام.
في العصور القديمة المتأخرة، كانت القبائل الكلتية (Celts) هي الشعوب الأصلية التأسيسية التي استوطنت المنطقة، وأسست مملكة "نوريكوم" الشهيرة بتعدين وتصدير الحديد عالي الجودة.
بحلول القرن الأول قبل الميلاد، غزا الرومان المنطقة وحولوا ممالك الكلت إلى مقاطعات رومانية استراتيجية (مثل بانونيا ونوريكوم).
أسس الرومان معسكرات ومدناً عسكرية كبرى لحماية حدود إمبراطوريتهم على نهر الدانوب، من أبرزها مدينة "فيندوبونا" (Vindobona) التي أصبحت لاحقاً العاصمة فيينا، ومدينة "يوفافوم" (سالزبورغ الحالية).
عقب انهيار روما، تدفقت موجات الاستيطان الأوروبي من القبائل الجرمانية (البافاريين والألمانيين) والقبائل السلافية، ممتزجة مع السكان الأصليين وعملت على نشر المسيحية.
سلالة هابسبورغ وعصر الإمبراطورية الذهبي
في عام 1278، تولت سلالة هابسبورغ (Habsburg) حكم النمسا، وهي العائلة الملكية التي صعدت لتصبح واحدة من أقوى السلالات الحاكمة في التاريخ الأوروبي، واستمر حكمها دون انقطاع لقرابة 640 عاماً.
أصبحت فيينا عاصمة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وبفضل سياسة الزيجات السياسية الذكية والتحالفات، توسعت رقعة النفوذ النمساوي لتشمل إسبانيا، وهولندا، وأجزاء واسعة من إيطاليا وأمريكا اللاتينية، وظهر المبدأ الشهير: "لتخض الدول الأخرى الحروب، أما أنتِ أيتها النمسا السعيدة فتزوجي".
واجهت النمسا بنجاح الحصارات العثمانية لفيينا (عامي 1529 و1683)، وساهم صدهم في حماية وسط أوروبا.
شهد القرن الثامن عشر عصراً ذهبياً للبلاد في عهد الإمبراطورة ماريا تيريزا وابنها جوزيف الثاني؛ حيث أُدخلت إصلاحات جذرية في التعليم، والجيش، والقضاء، وتحولت فيينا إلى عاصمة الفنون والموسيقى الكلاسيكية العالمية.
القرن العشرين: الإمبراطورية المزدوجة، الحروب، والجمهورية الحديثة
في عام 1867، وتلبية للتطلعات القومية، تأسست الإمبراطورية النمساوية المجرية (المركية الثنائية). وفي عام 1914، فجّر اغتيال أرشيدوق النمسا فرانز فرديناند في سراييفو شرارة الحرب العالمية الأولى.
انتهت الحرب بانهيار الإمبراطورية وتفككها عام 1918، وتأسست "جمهورية النمسا الأولى" كدولة صغيرة محدودة الحدود.
في عام 1938، قام الزعيم النازي أدولف هتلر (النمساوي الأصل) بضم النمسا إلى ألمانيا النازية في عملية عُرفت باسم "الأنشلوس" (Anschluss)، ودخلت البلاد في أتون الحرب العالمية الثانية.
عقب هزيمة ألمانيا عام 1945، خضعت النمسا لاحتلال الحلفاء الأربعة حتى عام 1955، حيث وُقعت "معاهدة الدولة النمساوية" التي استعادت بموجبها النمسا سيادتها الكاملة بشرط إعلان الحياد الدائم والمستمر.
نجحت النمسا كجمهورية ثانية في بناء اقتصاد قوي، وانضمت للاتحاد الأوروبي عام 1995، متبنية عملة اليورو.
الموقع الجغرافي والمساحة
تقع النمسا في قلب أوروبا الوسطى، وهي دولة حبيسة (لا تطل على بحار مفتوحة)، وتتمتع بموقع استراتيجي يربط شمال القارة بجنوبها وشرقها بغربها. تتقاسم النمسا حدودها البرية المشتركة مع ثماني دول أوروبية:
من الشمال: ألمانيا وجمهورية التشيك.
من الشرق: سلوفاكيا والمجر.
من الجنوب: إيطاليا وسلوفينيا.
من الغرب: سويسرا وإمارة ليختنشتاين.
تبلغ المساحة الإجمالية لجمهورية النمسا حوالي 83,879 كيلومتر مربع. تمتاز جغرافيتها بهيمنة الطابع الجبلي؛ حيث تغطي جبال الألب الشرقية حوالي 62% من المساحة الإجمالية للبلاد، وتعتبر قمة جبل "غلوكنر العظيم" (Großglockner) أعلى قمة جبلية بارتفاع يصل إلى 3,798 متراً.
تخترق البلاد أودية نهرية خصبة وشاسعة، يتقدمها نهر الدانوب (Danube) العظيم الذي يتدفق لمسافة 350 كم داخل الأراضي النمساوية، بالإضافة إلى مئات البحيرات الكريستالية العذبة.
السكان والديموغرافيا
يبلغ عدد سكان النمسا حوالي 9.1 مليون نسمة وفقاً لأحدث البيانات الديموغرافية الرسمية. تمتاز النمسا بتركيبة سكانية متطورة تميل نحو الشيخوخة نتيجة لارتفاع متوسط الأعمار وانخفاض المواليد، وهو ما توازنه الدولة عبر برامج الهجرة المنظمة واستقطاب العمالة الماهرة من الاتحاد الأوروبي وخارجه.
يتميز التركيب العرقي بالتنوع والانسجام:
النمساويون الجرمانيون: يشكلون الغالبية العظمى بنسبة تقارب 81%.
وتضم البلاد أقليات تاريخية معترفاً بها مثل السلوفينيين والمجر والكروات في المقاطعات الجنوبية والشرقية، بالإضافة إلى جاليات مهاجرة حديثة كبرى من ألمانيا، ودول يوغوسلافيا السابقة، وتركيا، والجاليات العربية والمجتمعات الآسيوية.
اللغة، الدين، والعملة
اللغة الرسمية:
هي اللغة الألمانية (Deutschen)، ويتحدث بها السكان بلهجة محليّة مميزة تُعرف بالألمانية النمساوية (Österreichisches Deutsch) والتي تختلف طفيفاً في المفردات والنطق عن ألمانية برلين. وتُستخدم لغات الأقليات كالسلوفينية والكرواتية رسمياً في محاكم ومدارس مناطقهم الإقليمية.
الدين:
المسيحية الكاثوليكية الرومانية هي الديانة التاريخية والسائدة في البلاد، ويعتنقها حوالي 55% من السكان، بينما تمثل المسيحية البروتستانتية الديانة الثانية، ويلعب الدين الإسلامي دوراً ديموغرافياً متنامياً بنسبة تقارب 8.3% من السكان (معظمهم من أصول تركية وبوسنية وعربية)، وتكفل الدولة الحرية الدينية الكاملة لجميع الطوائف.
العملة الرسمية:
هي اليورو (Euro)، حيث كانت النمسا من الدول التأسيسية التي اعتمدت العملة الأوروبية الموحدة وتخلت عن عملتها الوطنية السابقة "الشيلينغ النمساوي" مع مطلع عام 2002.
الحكومة والسياسة
نظام الحكم في النمسا هو نظام جمهوري برلماني ديمقراطي اتحادي (فدرالي).
البرلمان الاتحادي:
يتكون من غرفتين: المجلس الوطني (Nationalrat) وهو الغرفة التشريعية الفعالة والأقوى ويضم 183 مقعداً يُنتخب أعضاؤه مباشرة كل 5 سنوات، والمجلس الاتحادي (Bundesrat) الذي يمثل المقاطعات التسع.
المستشار الاتحادي (Bundeskanzler):
هو رئيس الحكومة ورأس السلطة التنفيذية الفعلية، والمسؤول الأول عن رسم السياسات وإدارة شؤون الدولة والوزارات.
الرئيس الاتحادي (Bundespräsident):
يُنتخب مباشرة من الشعب لولاية مدتها 6 سنوات، ويمثل رأس الدولة ولديه صلاحيات سياسية بروتوكولية وسيادية محددة مثل تكليف المستشار وحل البرلمان في حالات دستورية خاصة.
القانون والدستور
يستند النظام السياسي والقانوني النمساوي إلى الدستور الاتحادي لعام 1920 (القانون الدستوري الفدرالي)، والذي صاغه العالم القانوني الشهير هانس كيلسن. يُعد هذا الدستور واحداً من أكثر الدساتير دقة؛ حيث أرسى مبادئ الفدرالية الشديدة، والفصل الصارم بين السلطات، وحماية الحريات المدنية، وحقوق الأقليات القومية.
يقوم النظام القانوني النمساوي على نظام القانون المدني الجرماني والقاري. وتتميز النمسا بوجود "المحكمة الدستورية العليا" (VfGH) التي تعد الأقدم من نوعها عالمياً في الرقابة المتخصصة على دستورية القوانين.
وتلتزم القوانين المحلية التزاماً كاملاً بجميع تشريعات وسياسات الاتحاد الأوروبي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
الأقاليم والمقاطعات (التقسيم الإداري)
تتألف جمهورية النمسا اتحادياً من 9 مقاطعات (أقاليم) فدرالية مستقلة (Bundesländer)، وتتمتع كل مقاطعة ببرلمانها الخاص وحكومتها المحلية لإدارة شؤونها الداخلية كالتعليم والصحة والبيئة، وهذه المقاطعات هي:
| المقاطعة الفدرالية | العاصمة الإقليمية | الميزة الأساسية |
| فيينا (Wien) | فيينا | العاصمة الوطنية والمركز الثقافي والسياسي |
| النمسا السفلى (Niederösterreich) | سانت بولتن | الأكبر مساحة ومركز زراعي وصناعي غني |
| النمسا العليا (Oberösterreich) | لينتس | المحرك الصناعي والاقتصادي الأول للبلاد |
| سالزبورغ (Salzburg) | سالزبورغ | مهد الموسيقى الكلاسيكية وطبيعة جبلية ساحرة |
| تيرول (Tirol) | إنسبروك | عاصمة جبال الألب العالمية والرياضات الشتوية |
| شتايرمارك (Steiermark) | غراتس | تُلقب بـ "القلب الأخضر" لكثافة غاباتها وإنتاجها الثقافي |
| كيرنتن (Kärnten) | كلاغنفورت | مشهورة ببحيراتها الدافئة وطبيعتها الجنوبية المشمسة |
| فورارلبرغ (Vorarlberg) | بريغنتس | أقصى الغرب وتمتاز بصناعاتها الدقيقة وهندستها البيئية |
| بورغنلاند (Burgenland) | آيزنشتات | أقصى الشرق وتمتاز بسهولها الممتدة وصناعة الأغذية |
أهم المدن في النمسا
فيينا (Vienna):
العاصمة الكبرى وأكبر مدن البلاد، وتُصنف بانتظام كـ "أفضل مدينة للعيش في العالم" بفضل جودة خدماتها وأمنها. كانت مركزاً لإمبراطورية هابسبورغ، وتشتهر بقصورها الملكية (مثل شونبرون وهوفبورغ)، ودار الأوبرا العريقة، ومقاهيها التاريخية.
سالزبورغ (Salzburg):
مدينة الفنون الباروكية الساحرة ومسقط رأس الموسيقار العبقري فولفغانغ أماديوس موزارت. تقع على ضفاف نهر سالزاك وتحرسها قلعة "هوهن سالزبورغ" الضخمة، وهي موقع لتصوير الفيلم العالمي الشهير "صوت الموسيقى".
إنسبروك (Innsbruck):
عاصمة إقليم تيرول، وهي مدينة فريدة تقع بالكامل في وادٍ تحيط به قمم جبال الألب الشاهقة من كل جانب. استضافت الألعاب الأولمبية الشتوية مرتين وتُعد مركزاً عالمياً للتزلج والسياحة الجبلية.
غراتس (Graz):
ثاني أكبر مدن البلاد وعاصمة شتايرمارك. تمتاز ببلدتها القديمة المدرجة لدى اليونسكو والتي تدمج عمارة عصر النهضة بالعمارة الحديثة، وتُعد مركزاً جامعياً حيوياً يضم آلاف الطلاب.
الاقتصاد والصناعة
يُصنف اقتصاد النمسا كأحد أقوى وأكثر اقتصاديات السوق الحر استقراراً وتطوراً في العالم؛ حيث تسجل البلاد ناتجاً محلياً إجمالياً مرتفعاً للغاية للفرد. يقوم الاقتصاد النمساوي على قطاع خدمات متقدم للغاية، وصناعات تحويلية عالية الدقة والتقنية، وقطاع سياحي ضخم يستقبل ملايين الزوار سنوياً.
أبرز القطاعات الصناعية والاقتصادية:
- الصناعات الهندسية والميكانيكية الفائقة: تبرز النمسا عالمياً في هندسة الآلات، وتصنيع محركات السيارات ومكوناتها (مثل شركات AVL ومصانع BMW في شتاير)، وإنتاج المركبات المتخصصة وسيارات الإطفاء العالمية (شركات روزنبورغ).
- الصناعات الحديدية والمعدنية الدقيقة: تقود شركة "فوستالبينه" (voestalpine) النمساوية العالم في إنتاج الفولاذ عالي الجودة وصناعة قضبان السكك الحديدية فائقة التطور وأنظمة البناء المعقدة.
- البيئة والطاقة المتجددة: النمسا رائدة دولية في الاستدامة البيئية؛ حيث توفر أكثر من 75% من طاقة الكهرباء عبر الطاقة الكهرومائية بفضل نهر الدانوب ومساقط المياه الجبلية، وتصدر تكنولوجيا التدفئة الحيوية وأنظمة تدوير النفايات.
- الصناعات الكيماوية والدارجة: تشمل إنتاج الأدوية والمواد البلاستيكية المتطورة، إلى جانب المنتجات الفاخرة المشهورة عالمياً مثل كريستالات سواروفسكي الشهيرة.
العلوم والتكنولوجيا والجامعات
قدمت النمسا مساهمات علمية استثنائية غيرت مجرى البشرية، وحصد علماؤها وباحثوها أكثر من 20 جائزة نوبل في مجالات الفيزياء، والطب، والكيمياء. ومن أبرز عقولها العلمية التاريخية: عالم الفيزياء إرفين شرودنغر صاحب المعادلات الأساسية في ميكانيكا الكم، وعالم النفس سيغموند فرويد مؤسس علم التحليل النفسي، وعالم الاقتصاد فريدريش هايك.
تضم النمسا مؤسسات أكاديمية عريقة تتبع أرقى المعايير البحثية الأوروبية:
جامعة فيينا (University of Vienna): تأسست عام 1365، وهي أقدم جامعة في العالم الناطق بالألمانية، وتعد مركزاً علمياً وبحثياً ضخماً تخرج منها كبار علماء العالم.
جامعة فيينا التقنية (TU Wien): مؤسسة رائدة عالمياً في مجالات الهندسة التطبيقية، وعلوم الكمبيوتر، والتقنيات الدقيقة.
جامعة غراتس الطبية وجامعة إنسبروك: مراكز بحثية وطبية متقدمة تساهم بانتظام في تطوير جراحات العظام والأبحاث البيولوجية الدولية.
المناخ والطقس
تتمتع النمسا بمناخ قاري معتدل ومناخ جبال الألب التابع للتأثيرات الأوروبية الوسطى:
فصل الصيف: دافئ ومشمس ومعتدل (تتراوح درجات الحرارة بين 20 و30 درجة مئوية)، وتتحول فيه السهول والبحيرات إلى مناطق لممارسة السباحة والمشي لمسافات طويلة في الجبال.
فصل الشتاء: بارد وقارس مع تساقط كثيف ومنتظم للثلوج، خاصة في المناطق الجبلية ومرتفعات الألب (تنخفض الحرارة دون الصفر مئوية)، مما يوفر ظروفاً مثالية ومثبتة تستمر لأشهر لعشاق التزلج والرياضات الشتوية.
الأماكن السياحية الشهيرة في النمسا
تعتبر النمسا وجهة سياحية من الطراز الأول عالمياً بفضل تنوعها الثقافي الهائل وطبيعتها المبهرة:
قصر شونبرون في فيينا (Schönbrunn Palace):
المقر الصيفي السابق لأباطرة هابسبورغ، وهو تحفة معمارية باروكية تضم أكثر من 1400 غرفة، ومحاط بحدائق ملكية شاسعة وأقدم حديقة حيوان مستمرة في العالم، وهو مدرج لدى اليونسكو.
قرية هالشتات (Hallstatt):
قرية جبلية أيقونية فائقة الجمال تقع على ضفاف بحيرة هالشتات وتحيط بها جبال داتشستين الشاهقة. تشتهر ببيوتها الخشبية التاريخية وأقدم مناجم ملح في العالم، وتُعد واحدة من أكثر الصور السياحية شهرة عالمياً.
شارع ماريا تيريزا وسقف الذهب في إنسبروك:
قلب المدينة التاريخي النابض، حيث يرتفع معلم "السقف الذهبي" المكون من 2657 بلاطة نحاسية مذهبة يعود لعهد الإمبراطور ماكسيميليان الأول، مع إطلالة جبلية خلفية مهيبة.
طريق جبل غلوكنر العظيم الألبي المرتفع:
طريق أسفلتي مذهل يمر عبر قلب متنزه هوه تاورن الوطني، ويوفر للسائقين والسياح رحلة تخطف الأنفاس بين قمم الجبال، والأنهار الجليدية الدائمة، والمشاهد البانورامية الشاهقة.
دار أوبرا فيينا الوطنية (Vienna State Opera):
واحدة من أشهر دور الأوبرا في العالم، وتقدم عروضاً يومية لأرقى الأعمال الموسيقية الكلاسيكية والباليه وتجمع كبار فناني العالم.
الأكلات الشعبية والمطبخ النمساوي
المطبخ النمساوي هو مطبخ غني وتاريخي يتأثر بشكل عميق بموقع البلاد الإمبراطوري السابق؛ حيث يدمج بين نكهات المطبخ المجري، والتشيكي، والإيطالي، ليوفر أطباقاً دسمة ومخبوزات وحلويات ذات صيت عالمي.
![]() |
| المطبخ النمساوي |
أشهر الأطباق والحلويات النمساوية التقليدية:
الفينر شنيتزل (Wiener Schnitzel): الطبق الوطني الأكثر شهرة؛ وهو عبارة عن شريحة رقيقة من لحم العجل (أو الدجاج) تُغمس في الدقيق والبيض والبقسماط وتُقلى في الزبدة النمساوية حتى تكتسب لوناً ذهبياً وقواماً مقرمشاً، وتُقدم عادة مع سلطة البطاطس الدافئة والليمون.
التافيل شبيتز (Tafelspitz): الطبق المفضل للإمبراطور فرانز جوزيف؛ ويتكون من لحم البقر الطري المسلوق بعناية ولباقة لساعات مع الخضار الجذرية والتوابل في مرق غني، ويُقدم مع تفاح مبشور بالفجل وصلصة الثوم المعمر.
أبفل سترودل (Apfelstrudel): حلوى الفطيرة النمساوية العالمية؛ وتتكون من عجينة رقيقة جداً وممدودة تُحشى بالتفاح المقطع، والزبيب، والقرفة، وفتات الخبز المحمص بالزبدة، وتُخبز في الفرن وتُقدم دافئة مع رشة سكر بودرة أو صلصة الفانيليا الكريمية.
كعكة الساخار (Sachertorte): كعكة الشوكولاتة الأسطورية التي ابتكرها فرانس ساخر عام 1832 في فيينا؛ وتتكون من طبقات غنية من كعكة الشوكولاتة الكثيفة تفصل بينها طبقة رقيقة من مربى المشمش الطازج، وتُغطى بطبقة سميكة من الشوكولاتة الداكنة الناعمة وتُقدم مع الكريمة المخفوقة غير المحلاة بجانب القهوة النمساوية الشهيرة.
النشاط الرياضي في النمسا
تمتلك الرياضة مكانة جماهيرية وشغفاً بنيوياً في النمسا، حيث تُعتبر جغرافيتها الجبلية دافعاً أساسياً للتميز الرياضي العالمي.
الرياضات الشتوية والتزلج الألبي:
النمسا هي القوة العظمى الأولى دون منازع عالمياً في رياضة التزلج على المنحدرات الثلجية (Alpine Skiing). حصد الأبطال النمساويون (مثل الأسطورة مارسيل هيرشر، وهيرمان ماير) عشرات الميداليات الأولمبية الذهبية والكؤوس العالمية، وتُعد قرية "كيتزبوهيل" موطناً لأخطر سباق تزلج سنوي في العالم.
كرة القدم:
تحظى بشعبية ومتابعة كبرى؛ ويمتلك المنتخب الوطني النمساوي حضوراً قوياً وتطوراً ملموساً في البطولات الأوروبية، ويقود الدوري المحلي أندية قوية ومنظمة مثل "ريد بول سالزبورغ" الذي يشتهر بكونه مصنعاً عالمياً لتطوير المواهب الشابة، ونادي رابيد فيينا التاريخي.
سباقات الفورمولا 1:
تمتلك النمسا حلبة "ريد بول رينغ" (Red Bull Ring) الشهيرة في المقاطعة الجميلة شتايرمارك، والتي تستضيف سنوياً سباق جائزة النمسا الكبرى للفورمولا 1 وسط حضور جماهيري عالمي صاخب، وتعتبر شركة "ريد بول" النمساوية عملاقاً دولياً في دعم الرياضات الخطرة والميكانيكية.
الخاتمة
في ختام هذا الدليل التاريخي والجغرافي الشامل، تبرز جمهورية النمسا كنموذج مبهر للدولة التي نجحت في المزاوجة بين مجد ماضيها الإمبراطوري التليد وعصر حداثتها وازدهارها الاقتصادي والتقني المستقبلي.
إنها الأرض التي حافظت على حيادها الدائم لتصبح مركزاً ومقراً رئيساً للمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والأوبك، والبلد الذي يقدم للعالم أرقى صور التناغم بين البيئة الطبيعية الخلابة لجبال الألب والمدن الحضرية المتطورة ذات مستويات المعيشة الاستثنائية.
تظل النمسا، بموسيقاها الكلاسيكية التي لا تموت، وقصورها التاريخية العريقة، ونكهات مطبخها العريق، وشغفها الرياضي المتأجج، وجهة تلهم العقول وتجذب القلوب، وبوابة مشرقة تفتح ذراعيها لترحب بالمسافرين، والباحثين، والمستثمرين من كافة بقاع الأرض.
............


